جزيرة الكنز


“نحن مدركون تماما لعواقب فعلتنا، و لكنكم لا تدركون ما نواجهه من مشكلات عويصة هنا في بلادنا، ليس هناك حكومة لمدة الثمانية عشر عاما السابقة، و آخر ملجأ للصوماليين هو البحر، نحن نشاهد السفن الأجنبية تأتي إلى مياهنا الإقليمية و تعبرها محملة بكل شيء، فكيف نسمح للصوماليين أن يموتوا جوعا و هي أمامهم، ليس ذلك مسموحا، انعدام النظام السياسي هو السبب في كل هذه المشكلات، إذا استطعنا أن نقيم بلدا مستقرا فكل مشكلاتنا ستحل”… ليس قائل هذه العبارة هو أحد خبراء الاقتصاد أو السياسة الصوماليين في التعليق على حوادث خطف السفن بواسطة شبكة قرصنة منظمة في خليج عدن، كان آخرها حادثة خطف سفينة البترول السعودية سيراس ستار، صاحب المقولة السابقة و التي أدلى بها للصحفيين بكل ثقة من هاتف خلوي على سطح سفينة مخطوفة هو أحد القراصنة أنفسهم، و هو ما يترك المستمع في حيرة في تصنيف هؤلاء القراصنة، و هي نفس الحيرة التي واجهت الأطفال أثناء مشاهدة مسلسل الكرتون الشهير “جزيرة الكنز” في تصنيفهم للقراصنة كأشخاص طيبون أو أشرار، إلا أن القراصنة هنا ليسوا أبطالا في أفلام الكرتون بل أشخاص حقيقيون صنعتهم ظروف الجوع و الدمار التي لم أحاطت ببلادهم و يبدوالآن أن الجميع يدفع الثمن، السفينة السعودية التي سحبها القراصنة شمالا إلى منطقة تعج بالقراصنة و يحتجزون فيها أيضا سفينة أسلحة أوكرانية ليست الأولى و لن تكون الأخيرة، يؤكد القراصنة في تصريحاتهم للصحافيين أن ما يقوموا به ليس قرصنة و لكن مجرد تحصيل لضريبة عبور تلك السفن بغض النظر عما تحمله عبر الشواطيء الصومالية الجائعة و المضطربة، ولا يجد القراصنة حرجا في طلب الفدية المادية من أصحاب السفن بغض النظر عن هويتهم الدولية أو الدينية كمقابل لكل ما تفعله تلك السفن بمياههم الإقليمية، بما يتضمنه ذلك من التخلص من الشحنات الضارة و التي أدت إلى القضاء على الحياة البحرية في المنطقة أو نقل الأسلحة عبر المياه الإقليمية، و على ذلك يعتبر القراصنة أنفسهم كدوريات حماية الشواطيء الصومالية أو حرس الحدود و ليس كقراصنة محترفين، و المؤكد سواء كانوا حرسا للحدود أو قراصنة محترفين أنهم على درجة عالية من التنظيم الفردي و الجماعي و التعاون التي سمحت لهم بالسيطرة في غياب التكنولوجيا والدولة على حركة السفن في خليج عدن، حتى أن الكثير من شركات الملاحة و النقل تفكر الآن في تجاوز المنطقة المائية المحاذية للقراصنة في خطوط عملها بما يتكلفه ذلك من زيادة تصل إلى ثلاثين بالمائة من تكلفة الشحن و النقل، و العالم الذي ما زال يعاني إلى الآن من قرصنة اختطاف الطائرات و توابعها لأهداف سياسية انتقل إلى مسلسل جديد في سلسلة التفكك و انعدام الأمن، الصومال التي ترزح تحت فوضى الحكومة الانتقالية و الميليشيات الإسلامية المسلحة تعاني من الفقر و المجاعة و الأوبئة و يبدو اللجوء إلى القرصنة في ظل تلك الظروف المميتة خيارا جذابا لآلاف الجوعى و المحرومين، و السفينة الأوكرانية المحاصرة تحمل من الأسلحة ما يعادل ثلاثين مليون دولار، إلا أن السفينة و بالرغم من تحكم القراصنة فيها ما زالت تحت مرمى عدة سفن حربية أمريكية تحتجزها الآن في مكانها، و لكن أيا من السفن الأمريكية لن تستطيع القيام بأي خطوة للتهديد الذي أطلقه القراصنة بتفجير السفينة بحمولتها من الذخيرة الحية، و هذه السنة فقط هاجم القراصنة في الصومال ما يزيد على خمسة و سبعون سفينة، يتبعون في ذلك مبدأ بسيطا للغاية بتسلق السفينه بواسطة الحبال و توجيه الأسلحة إلى الطاقم في مقابل فدية تتراوح بين المليون و المليونين دولارلإطلاق رهائنهم، و ربما ينتهي مأزق السفينة الأوكرانية بدفع مبلغ أعلى قد يصل إلى خمسة ملايين دولار بحسب التقارير المنشورة نتيجة الدعاية المصاحبة لعملية الخطف، تنال الإشاعات حتى من المسؤولين الحكوميين الصوماليين و الذين يشتبه في ضلوعهم في عمليات القرصنة بدليل السماح لقراصنة معروفين بتملك الفنادق و بناء العقارات و التجول بالسيارات الفارهة في البلاد المعدمة، و في تعليق عجيب تناولته الصحف عبرت “فطومة” من الصومال عن دهشتها للبذخ العظيم في زفاف حضرته مؤخرا لأحد القراصنة و الذي دام لعدة أيام حتى أنها بدأت الآن في الاستعداد شخصيا للزواج من أحد القراصنة، و لم يتوقف العالم بالطبع متفرجا على القراصنة ذوي الحبال، فالمياه الإقليمية الصومالية هي الوجهة الآن لأساطيل من الاتحاد الأوروبي و روسيا و الناتو و الهند، كل هذه السفن ستعمل على تأمين المياه الإقليمية الثائرة و الجائعة أمام خطوط الشحن و التنقل الدولية، أما الدروس المستفادة من ظهور هؤلاء “القراصنة” على سواحل بلادهم أنه ليس هناك أشخاصا غير طبيعيين و لكن هناك أشخاص طبيعيون في ظروف غير طبيعية، و أنه ليس هناك مجال لعزل نفسك كدولة عن بقية العالم مهما بلغت درجة أمنك و رقيك و تطورك، ففي النهاية لا معنى للأمن و جارك يفتقده، وأن الحصول على الأسلحة المتطورة و التكنولوجيا و المال لا يعني الأمان فلا حدود لما يمكن أن يصنعه بضعة رجال جائعين ببعض الحبال و الحيلة، و أن المجتمع الدولي لن يستطيع دائما الخروج بحل ما سحري لإصلاح الوضع الداخلي لدولة ما، و الصومال هنا و التي عاشت على المساعدات الدولية لعقود من الزمن لا تختلف كثيرا عن لبنان و أفغانستان و غيرها من الدول و التي ما زالت تتذبذب أمنيا تحت حكم ميليشيات ذات مصالح داخلية و خارجية متعارضة لن تحلها  آلاف الجهود الخارجية، و الدرس الأهم أن العالم ليس سوى قرية صغيرة و من مصلحة الجميع فيها أن يتعاونوا لضمان الأمن وتحقيق العدالة الاجتماعية و الاكتفاء الاقتصادي للجميع حتى لا يتحقق ذلك العدل بالقرصنة و القوة و فرض الإتاوات

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s