تحقيق المساواة


المطالبة بمساواة المرأة في الفرص و الحقوق الشخصية و العامة بالرجل على كثرة تداولها و وضوح المنطق فيها إلا أنها فكرة متعسرة الفهم و التطبيق في مجتمعاتنا، و في مقاله الأخير في جريدة الوطن يطرح الكاتب عبد الله المطيري هذا التساؤل المثير للتأمل “ماذا لو تحققت المساواة بين الرجل و المرأة؟”، و الأكثر إثارة من طرح أفكار المقال هو تلك الردود المتفاعلة مع الطرح و التي تؤكد صعوبة ابتلاع الرجل و حتى المرأة السعودية لمبدأ المساواة، يدعو الكاتب في مقاله إلى تصور العالم هنا و قد اختفت منه الهيمنة الذكورية على فرص المرأة في التعلم و العمل و التنقل و أدق تفاصيل و قرارات الحياة لدى النساء، و هو يستبشر بفكرة العدالة و المساواة التي تمنح المرأة القدرة على تقرير المصير بعيدا عن سلطة ذكور العائلة بما يخدم مباديء حماية النساء من التمييز و العنف و التسلط الذكوري، و ما يحقق المجال لاستفادة المجتمع من إسهام المرأة في كافة المجالات بحيث يصبح الكفاءة الشخصية هو ما يحدد المشاركة العامة و ليس الجنس، كما يقدم صورة الرجل السعودي بشكل مختلف عن النمط المعتاد الاتكالي و الممتليء بالإحساس بالفوقية على غبيره كنتيجة لحصوله على امتيازات أسرية و اجتماعية بسبب الجنس، و يسرد الكاتب في المقال السبب الأساسي في رفض الشريحة الكبرى في المجتمع لمبدأ المساواة و العدالة في وصف المحاولات الجادة لإصلاح حياة النساء بأنها “محاولة خبيثة لإفساد المرأة و إخراجها من صورتها التي ألفوها”، أما لماذا تبدو تلك الفكرة -المساواة و تأمين حقوق النساء و تمكينهن- صعبة التطبيق في مجتمعاتنا فهي للسبب نفسه التي تبدو فكرة الإصلاح الاجتماعي عموما و تغيير المألوف في التفكير و النمط المعيشي من أصعب الأمور، و الخروج من أسر المجتمع القديم الأبوي و القبلي و الذي احتل فيه فرد واحد مركز الصدارة في تقرير مصير المنتسبين إليه إلى المجتمع المتساوي في مزايا و حقوق أفراده هو أشبه بمرحلة الطلق و المخاض، وهو انتقال تفرضه التغيرات الاجتماعية هنا بعد تعليم الفتيات و ثورة المعلومات و انتقال المعرفة إلى مجتمع مغلق عاش قرونا في أسر فكر واحد و سلطة واحدة، قضية تمكين المرأة لا تختلف كثيرا عن قضية المركزية في الإدارة أو إعطاء صلاحيات أكبر في تقرير المصير و الرقابة لأفراد المجتمع المدني أو إصلاح القضاء و تطويره أو مراجعة مناهج و أساليب التعليم أو غيرها، كلها في النهاية لا تختلف كثيرا في انتقالها المؤلم من طور المطالبة و تغيير واقع متردي إلى طور التنفيذ و الارتقاء  بمستوى الأفراد إلى واقع أكثر إنسانية و تحضرا، هل من السهل التخلي عن السلطة المطلقة و المغامرة بواقع مألوف -على علاته- إلى واقع مجهول قد نحقق فيه نجاحا أو لا؟،  المعرفة وحدها تقودنا في مثل هذا الطرح إلى الثقة الكافية للقرار، أما كيف يمكن أن نحصل على هذه المعرفة الكافية لعبور هذا المخاض العسر فهو بالضبط ما نحتاج إليه، بداية نحتاج إلى التخلي عن مبدأ الثقة المطلقة في صواب معتقداتنا و السماح لأنفسنا بالتشكيك -ولوبشكل نظري- في ما نعتقده، هذا الشك سيقودنا مبدئيا إلى النظر بجدية في المطروح من آراء بلا تحيز أو رفض، و ربما يقودنا في النهاية إلى تبني ما رفضناه مسبقا و النظر في جدواه، و تحتاج المعرفة إلى فتح الباب لمشاركة الجميع في الطرح و إدلاء الرأي، فالرأي المحصور في فئة بعينها يختزل ثروة من المعرفة و يحصرها في فئة ما تدعي المصداقية بسبب السلطة الدينية أو السياسية أو غيرها،  و نحتاج إلى منح الحرية لكافة الناس في طرح تساؤلاتهم وواقعهم كما هو بلا تجميل أو تزييف حتى يتم الأخذ بكل ذلك و الظر في أثر ما نعتقده في حياة الناس و من ثم في تقرير الأصلح لهم، و نحتاج إلى الإيمان بأن المرأة -كما الرجل- تملك القدرة على الحياة باستقلال تام و تملك القدرة على تقرير المصير و أنها بداية ليست كائنا عاجزا ضعيفا أو بحاجة للحماية المطلقة متى ما عاشت في مجتمع يحكمه قانون رادع يحفظ لكل فرد حقه و يحمل ثقافة متنورة، و نحتاج أيضا إلى إدراك أن المقارنة بين المجتمعات في حقوق المرأة لا يمكن أن تتم هكذا بدون النظر إلى عوامل الاختلاف في القيم و المباديء في كل مجتمع، و الخوف الغير مبرر -بالنظر إلى ممارسات الفساد هنا في الوقت الحالي- من الفساد الأخلاقي ليس مبررا كافيا لتمكين أفراد هذا المجتمع و دعم حقوقهم نساء و رجالا، ففي النهاية لا تتعدى مطالبات تمكين المرأة هنا سوى ما تكفله كافة القوانين الإنسانية و لا يعارضه التشريع الديني، سواء في قيادة السيارة أو حرية التنقل أو تأمين فرص العمل و التعلم في مختلف المجالات و جماية حقوق الأطفال لدى المرأة المطلقة أو رفع شرط وصاية الرجل في التعاملات المالية و الشخصية للنساء، و مؤخرا و بعد زوبعة كاوست و مسألة الاختلاط الحادثة هناك ظهر الرأي الآخر في التيار الديني و الذي لا يرى مانعا من الاختلاط كمبدأ كما قيد التحريم بالخلوة، فمتى نعطي أنفسنا الحق في رفع القيد الغير مرئي و المفروض على عقولنا و السماح لأنفسنا بتجاوز كافة الخطوط الحمراء للوصول إلى الحقيقة و القدرة على تبني آراءنا الخاصة بعيدا عن التزييف الحادث تحت العديد من المسميات؟….

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s