بدوي أتلفته الثروة


لا أدري متى نتوقف عن رفض أي اتهام سلبي لنا و تبريره بعدم الوعي أو التجني، يتعجب تركي السديري في مقالته في جريدة الرياض مؤخرا عن اتهامات الفرد السعودي بالبداوة والجهل، و يعيب على جيراننا من العرب مفاهيمهم الخاطئة عن الفرد السعودي كبدوي أتلفته الثروة، و على المنظمات الدولية أن تحمل على المملكةأي انتقادات في مجالات حقوق المرأة أو العمالة الأجنبية أو تنفيذ القوانين و المساواة، و يخلص في مقاله إلى سوداوية المفاهيم العالمية و العربية عن المجتمع السعودي و ذلك بالرغم من كونه يقر بأن هناك أفرادا منا تدعم سوداوية هذه المفاهيم بتصرفاتهم الجاهلة خارج حدود الوطن، ثم يخلص إلى أن الحسد من الإخوة الأقل حظا قد يكون سببا في شيوع المفاهيم الخاطئة عن السعوديين، كما يتعجب من المنظمات الدولية و التي  لم تنجح في إيجاد مجتمعات مثالية تحترم حقوق الإنسان من مطالباتها بالمثالية من المملكة، و يستاء من كون المملكة تصدرت المركز الثالث في قمع الحريات الإعلامية بعد العراق و سوريا بالرغم من عدم تعرض الإعلاميين هنا – بحسب المقال – لأي ملاحقات أو تهديدات بالقتل… انعدام النظرة الإيجابية للمجتمع السعودي و أفراده هو انعكاس لعدة أمور و ليس منها روح تجن مقصودة ضد السعوديين، أول تلك الأمور هو بالطبع حداثة هذا المجتمع مقارنة بمجتمعات أخرى من جيرانه أو غيرهم، و هو ما يضع الفرد السعودي في مسؤولية مضاعفة للرقي بأسلوب حياته و مفاهيمه في زمن قياسي لمعاصرة متغيرات العصر الحديث و التي تختلف جذريا عما اعتاد عليه في محيطه المباشر، و أهم ما يجب الاعتياد عليه هو تقبل النقد فلا أحد منا يملك مرآة مسلطة عليه ليرى بها نفسه و يدرك بها أفعاله طوال الوقت، و ليس أفضل من وجود مؤسسات مراقبة عامة كالإعلام و المنظمات الدولية لتكشف لنا (بالمقارنة بمجتمعات أخرى و استخدام أدوات القياس المتعارف عليها) مدى نجاحنا في تحقيق مفاهيم الحضارة و الدولة الحديثة، و لا يستطيع أي فرد منا أن يحكم وحده على سلوك مؤسسات الدولة و سلوكيات أفرادها مهما اتسعت دائرة معارفه و قراءاته، فذلك وحده يتطلب جهدا متصلا و محايدا و الحكم بالنتائج و المقارنات، إعلامنا الحديث العهد ربما كان أكثر حرية الآن عما كان عليه قبل عقدين أو ثلاثة و لكنه لا يزال غير فعال في الوصول إلى الدور الذي يحتاجه كلا من المواطن و المسؤول، فلا يستطيع الإعلامي مثلا أن يحصل من المسؤول على جواب شاف على مساءلة ما، ولا زال الكثير من المسؤولين يختارون بكل أريحية أن يتجاهلوا مطالبات الإعلام لهم بتيرير سلوكيات و تصرفات غير مقبولة، و لنا أمثلة كثيرة في العديد من القضايا التي أثارها الإعلام مؤخرا ضد القضاة ووزارة العدل و وزارة التربية و التعليم و هيئة الأمر بالمعروف و غيرهم، أما المنظمات الدولية فنحن مطالبين بتقبل ما تصدره من تقارير لسبين أولهما أننا أعضاء بالاختيار في تلك المنظمات و ثانيهما أن ما تصدره تلك المنظمات هو من صميم عملهم و يبقى لنا إما أن نستفيد من نتائج تقاريرهم أو أن نتجاهلها لأننا لا نهتم ببساطة إلا بالعضوية و ليس بالاستفادة الحقيقية منها، ربما لا نملك أدوات المجتمع المدني الحديث بالكامل من مؤسسات ديمقراطية و هيكلة واضحة للمسؤوليات و الواجبات كما لا تملكه أيضا العديد من الدول غيرنا، و لكننا نملك مبررا منطقيا لتأخرنا وهو حداثة التعليم و مؤسسات المجتمع المدني نسبيا لدينا و نملك أيضا بالمقابل إرادة سياسية و مجتمعية صادقة للارتقاء بأداء المجتمع، فلا يوجد أي مبرر لحساسية زائدة للانتقادات  و السلبيات ضدنا، و يمكن لنا التعامل معها بموضوعية فنرد عليها بما يبررها أو نبحث بصدق عن حلول لها إن لم نستطع تبريرها، و قضايا المرأة و العمالة و الأقليات الطائفية جديرة بالفعل بوقفة صادقة من المسؤولين و أبناء هذا المجتمع لتفادي القصور و الخلل الواضح في تعامل المجتمع بأفراده و مؤسساته معها، و نظرا لطبيعة مجتمعاتنا المحافظة فربما لا تظهر  على الملأ الكثير من المشكلات الخاصة بالمرأة أو الطفل و لا تلك التي تتعامل في مواضيع حساسة كالدين و الطائفة حيث يصعب مناقشة مثل تلك المفاهيم لدى عموم الشعب و ذلك للسلطة الكبيرة لرجال الدين في مجتمعنا، و المبررات التي استشهد بها تركي السديري للدلالة على تطور مجتمعاتنا لا تنفي و لا تثبت أي انتقاد سلبي، فالكاتب قام بإدراج نسبة الطلبة و الطالبات الكبيرة في الجامعات السعودية كدلالة على النمو في حضارة المجتمع، و لكن ذلك لا يثبت تطوره، فمصر مثلا تقوم بتخريج آلاف الطلبة و الطالبات من جامعاتها و لكن هل يمكن أن يكون ذلك دليلا على جودة التعليم أو زيادة مساهمة الفرد في بناء بلاده و المشاركة في صياغة القرارات المدنية و المجتمعية؟… قام الكاتب أيضا بتأكيد عدم ملكية الدولة لأي جريدة سعودية سوى واحدة للدلالة على استقلال الصحافة، و هو ما لا ينفي سلطة الدولة المطلقة في الرقابة على حرية الإعلام بشكله الأكبر سواء المطبوع و السبيبري وهو ما كثرت الانتقادات بسببه مؤخرا… الرد على النقد السلبي يبدأ بإثبات اهتمامنا بمجتمعنا بالعمل على تقصي مصداقية الانتقادات، و الاهتمام أولا بتبرير أنفسنا كإعلاميين و مسؤولين ليس للطرف الخارجي فهو غير معني بشكل أساسي بنظامنا الداخلي و لكن بتبرير أنفسنا أولا لأبناء و بنات هذا الوطن،  فهل يقوم إعلامنا بإبراز الحقيقة و محاسبة المسؤول جماهيريا، هل يهتم بمدى فعالية مؤسساتنا في العمل لأجل المواطن، هل يحاسب المسؤولين بكل شفافية على تقصيرهم و إهمالهم، هل يعكس إعلامنا توجهات و تطلعات أفراد هذا الشعب بلا تمييز،  إذا أجبنا بنعم فيمكن أن نتهم المنظمات الدولية بالتمييز، و الأمر نفسه يسري على اتهامات السعودية بالتقصير في حقوق المرأة و الطفل و الأقليات الطائفية و العمالة… يستطيع السعوديون دائما إنكار أي انتقاد سلبي و الاستشهاد بكل أمر إيجابي للدلالة على مدى انضباط و استقامة المجنمع هنا، و لكن ذلك لن يجعل الأمور أفضل و لن يساهم في تطور المجتمع و لا مؤسساته، و لن يجعل البدوي – وهو نمط واحد فقط من أنماط متعددة من سكان هذا الوطن- أكثر تحضرا، لن يمكن الرد على أي انتقاد سلبي لنا سوى بالاعتراف أولا بالخلل، فسياسة النعامة لن تثمر أبدا سوى عن مزيد من الضغط و استفحال المشكلات، و الإعلام قد يكون وسيلة لفتح نوافذ التعبير عن المجتمع بصدق و معالجة قصوره و قد يكون كما في نافذة السديري مجرد رمال ندفن فيها رؤوسنا لا غير…

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s