العلم نورن

في بيان عجيب أصدرته وزارة التخطيط لتوضيح لبس ما في تصريح سابق لوزير التخطيط، قررت وزارة التخطيط أن تقوم بتعريف عموم الناس  بأنواع الفقر و بالرغم من أنني لم أطلع على تصريح الوزير إلا أنني لا أدري سبب التوضيح العجيب و هل صدر تعليق ما من الإعلام أو الصحافة أو غيرهم لمساءلة الوزير في تصريحه السابق عن معنى الفقر و تصنيفاته؟ الفقر ومعناه واضح، و البيان الصادر يوضح للناس أن أولويات الوزارة هي مكافحة الفقر من النوع المطلق و ليس المدقع، على اعتبار أن الفقير بشكل مطلق لا يجد قوت يومه بينما الفقير بشكل مدقع هو الذي يملك القليل من كل شيء أو يصعب عليه الحصول على مقومات حياته من مأكل و مسكن و ملبس و غيره، و يمضي بيان الوزارة فيشرح الخطة العالمية المقترحة من منظمة الأمم المتحدة لتحسين نوعية الحياة و تمكين الناس من مقومات الحياة الكريمة ويؤكد التزام الوزارة بالعمل على خطة المنظمة محليا، و بالرغم من بؤس الطرفين ذلك الذي لا يجد قوت يومه و ذلك الذي لا يجد ما يقيم به حياته، إلا أن تقدم الفقر المدقع في أولويات الوزارة عن الفقر المطلق يفترض أن هناك شيوعا ما للمجاعات في المملكة مما يضطر الوزارة إلى تصنيف لأولويات المساعدة، وما ينتظره الجميع من الوزير و المسؤولين ليس توضيح تصنيفات الفقر اللغوية و التقنية، ما يهم الناس هو خطة وزارة التخطيط لمعالجة مظاهر الفقر المختلفة بغض النظر عن تصنيفاته، فمن المسلم به أن الفقر في منطقتنا الغنية بالموارد الطبيعية مرتبط ارتباطا وثيقا بسوء التدبير للموارد و إهدار المال العام، وما يجعل من أي خطة منطقية لتبني علاج حاسم لمعالجة مظاهر الفقر و إزالتها حلما بعيد المنال هو ضعف الرقابة الإدارية و القضائية الفعالة على الجهات الرسمية التنفيذية بالإضافة إلى عدم وضوح الرؤية و الأهداف في خطط الوزارات المختلفة، فجميع الوزارات تعمل وفق آليات عتيقة و بمعزل عن بقية الوزارات الأخرى بحيث يصعب ربط أهداف كل وزارة بالأخرى ناهيك عن توحيد الأنظمة و القوانين المعمول بها في كل جهة، و يسهل حقيقة أن تسرد لنا وزارة التخطيط عناصر خطة التنمية التي أوردتها الأم المتحدة قبل بضعة أعوام و ليس من السهل أبدا رؤية نتائج مثمرة لعمل منسق و جماعي بين الوزارات المختلفة يخدم أهداف التنمية، فما الذي أحرزته الوزارة حتى الآن من التزاماتها الخطية مع الأمم المتحدة؟ الزيادة المادية مثلا التي نالها الموظفين في معاشاتهم قبل وقت قريب التهمتها أسعار المواد الاستهلاكية التي ارتفعت بشكل مفاجئ بعد الزيادة، أما مأساة انهيار سوق الأسهم و التي أطاحت بمدخرات الآلاف فقد أثبتت سوء التخطيط الذي طالما حذرت منه الكثير من الأقلام بدون تدخل فعلي من الجهات المعنية… مكافحة الفقر تعني أن يتم توفير بدائل اقتصادية لمقومات الحياة الحديثة، مساكن اقتصادية و مواصلات عامة حديثة و غير مكلفة  خصوصا مع وجود فئات في المجتمع لا تستطيع القيادة و تحتاج إلى التعلم و العمل كالنساء و الأطفال و تعليم عام يراعي مباديء الجودة وحاجات سوق العمل  و رعاية صحية وقائية متاحة للجميع و دعم حكومي للأغذية الأساسية و معاشات معقولة للبطالة و للفئات الأقل قدرة على الكسب كالعائلات الكثيرة الأفراد و النساء في فترات رعاية الأطفال وسن القوانين التي تشجع المشاريع الصغيرة و تدعمها و تزيل العوائق في إتاحة الفرص لجميع أفراد المجتمع للكسب و غيرها من الأنظمة المتبعة على مستوى عالمي، وسائل مكافحة الوصول إلى خط الفقر واضحة لكل مواطن يحتاج إلى التعلم و العلاج و التنقل والسكن و العمل الكريم و إعالة أسرة من عدة أفراد ويحتاج إلى تدخل المسؤولين لوضع و تنفيذ القوانين التي تحفظ حقوقه و تراعي احتياجاته، لكي نكافح الفقر لا بد من التسلح بتعليم قوي يعد الفرد للتفكير و التحليل المنطقي و يمنحه الوعي بمستجدات و تطورات العمل و يكسبه المهارات المطلوبة لسوق العمل ، و لكي نكافح الفقر لا بد من سن التشريعات لمنع التحايل و الاحتكار و الغش الاقتصادي و تشجيع وحماية المشاريع الصغيرة و المداولات التجارية، فمن غير المعقول أن نشجع الناس على الكسب و السعي في مشاريع خاصة بعيدا عن العمل الحكومي ثم تتعقد قوانين إصدار الرخص والحصول على العمالة و يتم ربط إمكانية ممارسة العمل الخاص للنساء بتوافر وكيل ما وتنعدم حماية حقوق أصحاب المشاريع من تجاوزات و استغلال كبار التجار ورجال الأعمال و حتى المسؤولين أنفسهم في البلديات المختلفة و تبقى القضايا في مكاتب العمل شهورا للنظر فيها،  و لكي نكافح الفقر لا بد من وضع معايير لتحسين أداء أجهزة الدولة ووزاراتها المختلفة و مراقبة الأداء المستمر بحيث يتم رصد الأخطاء و مكافأة الإنجازات، و من المهم فتح المجال للشفافية و التصريح بالمصاعب و العقبات التي تواجه المواطنين و العمل على وضع حلول جذرية للمشكلات العالقة و للتضخم في أسعار السلع الأساسية، ولكي نكافح الفقر لا بد أولا من أن نعرف مجتمعاتنا و أنفسنا و أين تكمن مصادر ضعفنا أو قوتنا و أن لا نسمح بضياع الجهد و المال و الوقت في التوصيات و الدراسات اللامنطقية و اللجان التي لا تنتهي، لا يكفي أن نبحث في جيوب الدولة و المواطنين و أصحاب المال عما يلبي حاجات الفقراء  لإبقائهم درجة أو درجتين فوق خط الفقر و لكن لا بد من البحث بداخل مجتمع الفقراء أنفسهم عما ينقصهم لمساعدة أنفسهم للحصول على حياة كريمة و ما هي أسباب الفقر في مجتمعاتنا، كان هذا الهدف الأولى و الأجدر باتخاذه بدلا من إنشاء صندوق لمكافحة للفقر والذي لا أعلم كما لا يعلم غيري مدى فاعليته في التوصل إلى تحسين مستوى الحياة لمن هم على وشك الوصول إلى خط الفقر و من وصلوا إليه بالفعل، و قد طالعت ببالغ الأسف ما نشرته الصحف عن  لجوء بعض السعوديات للعمل كخادمات في البيوت للإنفاق على أطفالهن حيث أن المعاش المقدم من  الضمان الاجتماعي لا يكفي احتياجاتهن، و لست ضد ممارسة المرأة أو الرجل للعمل الشريف أيا كان نوعه و لكن كان من الممكن أن يتم تأهيل هؤلاء السيدات للعمل في مهن تحكمها قوانين العمل و تحفظ لهن بعضا من طاقاتهن و آدميتهن و تعود عليهن بعائد مادي و نفسي أفضل بدلا من العمال الغير مهرة الذين نسنتوردهم لملء آلاف الوظائف في محلاتنا التجارية و مصانعنا و مكاتبنا و منشآتنا الضخمة المحرمة على نساءنا و على الكثير من شبابنا، لم أستدل حتى الآن على الهدف من بيان الوزارة ولكن و من باب أن العلم نورن فقد أصبح الفقير يعلم الآن بفضل بيان وزارة التخطيط موقعه بين الفقر المدقع و بين الفقر المطلق فلا يسيء فهم صعوبة أوضاعه و يعتقد أنها من أولويات الوزارة…

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s