الشفافية في خطاب التنصيب


احتشد الآلاف في هذا اليوم في البرد القارص لساعات عديدة و تحت ظروف أمنية مشددة لحضور خطاب تنصيب الرئيس الأمريكي الرابع و الأربعين باراك أوباما، و الخطاب الذي أتى كعادته ملهما، مجددا للآمال و مؤكدا على مباديء الدستورالأمريكي استحق من الحضور الحاشد ذلك العناء الذي تكبدوه للوصول إلى تلك اللحظة، أتى الخطاب الرئاسي بنفس مستوى الخطاب الذي ألقاه أوباما بعد فوزه بالانتخابات الأمريكية، ممتلئا بالحماسة و التأكيد على العمل لصالح الشعب الأمريكي، نقطة تتوقف عندها مخيلة شخص مثلي قادم من عالم مختلف بعيد عن التواصل مع قادته لا يخاطب فيه العادة المسؤول المواطنين ناهيك عن تأكيده على العمل لأجلهم، حمل الخطاب النقاط الأكثر أهمية في أجندة الرئيس القادم، و أهمها خلق شفافية في العمل الحكومي ليستطيع كل مواطن تتبع أموال الدولة و رؤية مصير كل مشروع حكومي، أو بمعنى آخر الوعد باختفاء أحد المتاهات التي تبتلع أموال الدولة بين طبقات النظام و متداوليه، و أكد أيضا على اهتمامه بتطوير جودة التعليم و العمل على البحث عن حلول بديلة للطاقة و الحفاظ عليها، و كلها نقاط هامة لدى الجمهور الأمريكي و الذي لم يعرها النظام الرئاسي السابق أي اهتمام، و لم يغفل الرئيس أيضا عن إرسال رسالة خاصة للعالم الإسلامي – العدو الجديد للغرب للأسف – لتحقيق السلام و الاحترام المتبادل و توجيه كلمة خاصة لقادة الشعوب المصدرة للعنف و التي تتهم الغرب بتخريب فكر ووعي أبنائها بالانشغال ببناء بلادهم بدلا من العمل على هدم الآخرين لكسب ثقة شعوبهم، وكان أفضل ما في الخطاب هو تذكرالرئيس المنتخب لماضيه المتواضع و بصعوبة تحقيق حلم الرئاسة كابن لرجل عمل في مطعم أمريكي صغير قبل ستين عاما، وهو ما أعادني لبريدي الالكتروني و لنقطة أثارها الشاب السعودي النشط إعلاميا أحمد العمران حول ضيقه بمقال منشور للكاتب عبد الله ناصر العتيبي، يرفض أحمد فكرة عدم استعداد مجتمعنا السعودي بتنظيمه الحالي للتحول إلى نظام ديمقراطي، و ينتقد المقال المنشور و الذي لا يرفض كاتبه الديمقراطية كمبدأ و لكن يشكك في إمكانية نجاحها إذا ما تمت كفرمان ما بناء على قرار ملكي أو حكومي فقط، حيث لا يرى الكاتب سبيلا لتحقيق مباديء الديمقراطية لدينا سوى برفع مستوى الوعي المجتمعي وهو ما يتطلب عقودا من الزمن لتحقيق التغيير في الوعي العام و في المجتمع بشكل واسع، و ربما هذا التصور الزمني بعيد المدى هو ما يخيف شابا في مقتبل عمره كأحمد يحلم كغيره من الشباب أن يكون هناك مكانا ما لصوته و رأيه يؤثر في أسلوب حياته بداخل بلاده الآن و ليس بعد عقود طويلة من الزمن، و يطرح الكاتب تخوفه من تحول مجلس الشورى المنتخب المستقبلي إلى تكتلات قبلية تدعم مصالح محدودة لفئات بعينها من السكان ولا تخدم أهدافا عامة بلا تحيز كما هو المفترض، وكنت قد كتبت سابقا رأيي الخاص حول الديمقراطية كمبدأ غير فعال في مجتمعنا الذي لا يمتلك التنظيم الإداري العام أو التأهيل الشخصي لتحقيق شروط العمل المجتمعي العادل، وأننا للحصول على نظام سياسي يصبح فيه أفرد المجتمع جزءا من صناعة القرار لا بد لنا من تطوير الوعي العام و أجهزة الرقابة و المحاسبة العامة ليصبح الكل متساويا أمام القانون وهي القاعدة الأهم لتحقيق العدالة و المساءلة، و ما نراه الآن من استغلال للنفوذ و المناصب و غياب لدور المساءلة و النقد دليل دامغ على عدم قدرتنا بالشكل الحالي على إرساء مباديء الديمقراطية، و لسنا وحدنا في ذلك، فهاهو الرئيس المنتخب يقر بعدم فعالية النظام الديمقراطي -بعد عقود من تنفيذه- في حماية مصالح الأمريكيين و يفتتح فترة حكمه بعمل قانون تتبع الأموال العامة لضمان نزاهة العمل الحكومي و القائمين عليه، و نحن هنا بالإضافة إلى غموض القوانين العامة التي تحكم العمل الحكومي و المؤسسي و عدم تطويرها بما يناسب التعاملات و أساليب الحياة الحديثة ، و بالإضافة إلى غياب التمثيل الكافي لأفراد المجتمع على مستوى صانعي القرار و غياب الأهلية لشرائح كبيرة من المجتمع كالمرأة و موظفي القطاع الخاص من الأجانب -وهم نسبة لا يستهان بها- مثلا نعاني أيضا من عدم تجانس عمل الأجهزة الحكومية بشكل يخدم المصلحة العامة للمواطن، فحتى لو التزمت جهة ما بتنفيذ المصلحة العامة و الخاصة فليس ذلك ملزما لغيرها بذلك، و المثال الأفضل على ذلك هو ما تواجهه الهيئات العاملة على تطوير الأنظمة المدنية كهيئة حقوق الإنسان في مخاطباتها للجهات ذات العلاقة، حيث يندر أن تستجيب أي جهة للمساءلات و الملاحظات التي تطرحها الهيئة، و حتى و إن التزمت فإن ذلك يتم بشكل فردي و لا يعني تغيير القاعدة العامة للعمل أو القوانين الملزمة لها، و ليس هناك ما يضمن عدم تكرار الخطأ أو إصلاح الخلل في القوانين المعمول بها، و حتى مع الإثارة الإعلامية المكثفة فقد لا ترى الجهة المعنية أي حاجة أو داع للالتزام بما يمليه القانون أو الحق العام أو الخاص…

هناك بالطبع حاجة لتدخل الدولة لصياغة و تطوير و تنفيذ القوانين الكفيلة بتحقيق عدالة اجتماعية كافية تضمن حقوق كافة أفراد المجتمع، و لكنها وحدها غير كافية بلا وعي و تأهيل مناسب لدى القائمين على تلك القوانين، وهو ما يستدعي وجود أنظمة متطورة للرقابة و المحاسبة العامة، و ربما لذلك افتتح الرئيس الجديد رئاسته بمشروع رقابي بدلا من تنظيم سياسي أو إعادة هيكلة، و ربما كان أضعف الإيمان هنا هو أن نمنح أجهزة الإعلام بكافة أشكالها حرية النقد و التعليق على الأداء كمرحلة انتقالية حتى نصل إلى ثقافة المساءلة و المحاسبة و العمل الجاد لأجل الصالح العام…

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s