البحث عن مواطن صالح


الدكتور غازي القصيبي هو الضيف الدائم إما بتصريح ما أو خبرفي وسائل الإعلام عن وزارته الشهيرة وزارة العمل شاغلة الدنيا و مالئة الناس حتى كأن “كل البلد هذا الولد”… يأسف الوزير في خبر صدر مؤخرا على أنه لم يتم تنفيذ سوى عشرين بالمائة فقط من نظام العمل الذي ولا شك عملت وزارته على صياغته  مطولا، و الوزير لم يتسلم فقط زمام تقنين الفوضى العارمة في أسواق العمل لدينا من بطالة حقيقية أو مفنعة و أساليب عشوائية او بيروقراطية و انعدام أحيانا للقوانين سواء في توظيف السعوديين أو غيرهم بل أيضا مسؤولية إلزام أصحاب الأعمال و البحث بينهم عن “مواطن صالح” يتبنى خطط وزارة العمل و أنظمتها الجديدة، و يطلب الوزير من مفنشي الوزارة أداء قسم الأمانة و الإخلاص في متابعتهم لأداء سوق العمل “لعظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم” ولأن نصوص قوانين وزارة العمل “ميتة” لم يتم تفعيلها على أرض الواقع، و الوزيريتمنى أن يكون مفتشا و ليس وزيرا لولا أنه لا يجد من يقسم أمامه ؟…و يؤكد الوزير على أهمية عمل المفتشين حيث أنهم يقومون “بالجهاد الأكبر” فهم هنا من صفوة المجتمع مثل الوزراء و أعضاء مجلس الشورى، وهو يؤكد على حرص وزارته على توظيف السعوديين في الوظائف العليا و ليس الدنيا و يطالب المجتمع بدعم الشباب، وهذا ملخص ما جاء في الخبر الذي توقفت عنده مطولا لأنه ككل أخبارنا سريع مقتضب يفتقد للتفاصيل و التوضيح، فلم أفهم مثلا صلاحيات المفتشين و ما هو المتوقع منهم ليصبح عملهم كالجهاد الأكبر؟ هل سيؤمنون وظائف لآلاف العاطلين أو هل سيساهمون في تهيئة الشباب السعودي لمواجهة متطلبات سوق العمل من التزام بساعات الدوام الطويلة -الأطول عالميا- و استعداد نفسي و علمي لمهام الوظائف التي يشغلها الأجانب؟ هل سيؤمنون الحد الأدنى من الرواتب لأصحاب المهن الدنيا أو هل سيدخلوا إلى البيوت السعودية فيؤمنوا الحماية للعمالة المنزلية من ظروف العمل اللا إنسانية و سوء المعاملة و الحوادث المهينة التي تحفل بها مواقع المنظمات العالمية ضدنا، أو ربما يستطيع تسعة و أربعون مفتشا أن يجبروا مئات المصالح الحكومية و العامة أن تتبنى ثقافة التدريب و التأهيل التي يحتاجها الموظف على رأس العمل و إلغاء نظام الواسطة الشهير وأن يسهموا في توظيف النساء بنسبة معينة و يوفروا الخدمات المساندة لعملهن كالحضانات و إجازات رعاية الأطفال و أن يحتل السعوديين الأماكن التي يشغلها الأجانب بحسب خطط زمنية معينة و أن يتم رفع تقرير من كل جهة وزارية بحاجتها من العمالة و من ثم عمل خطط لشغلها بالمواطنين و المواطنات، فهل يستطيع المفتشون في جهادهم الأكبر أن يفعلوا كل ذلك؟ …يبدو الأمر أكبر قليلا من مجرد محاولة ضبط المخالفات الإدارية و محاولة إجبار أصحاب الأعمال على تبني قوانين لا تصب في النهاية في مصلحتهم و لا في جيوبهم، و قد تعلمت درسا قيما منذ زمن بعيد وهو أن من لا تعجبه القوانين لن ينفذها بل سيتحايل عليها ولن يفيد عندها القسم الذي يقدمه المفتشين بكل حماس لأنه في مقابل كل قانون هناك ألف وسيلة للتحايل عليه… و قد أشفقت بالفعل على الوزير الطيب وهو  يحلف موظفيه  و يتمنى أن يحل محلهم “للقبض على المخالفين”، و تساءلت إن كان الأمر يحتاج إلى تفتيش لمعرفة واقع سوق العمل لدينا وإن كنا نحتاج لأن نصبح مفتشين لملاحظة الخلل الذي لا يجعل السعودي مقبولا في سوق العمل و إن أصبح مقبولا و ذو كفاءة فهو لا يشعر بالرضا و الاستقرار في عمله إما للتحيزضده  أو لسوء المزايا الوظيفية مقابل العمل المطلوب أو غيرها من الأسباب، لا أحتاج لأن أكون مفتشة في سوق العمل لكي أرى ما يحدث حولي في نقاط البيع التي يعمل فيها شباب سعوديون الغالبية منهم يعطل الصف بإهماله و عدم كفاءته أو في المستشفيات الحكومية التي تعمل بطاقة تفوق طاقة استيعابها و يضطر الموظف فيها للهرب بكل عذر لتجنب ضغط العمل لطول الدوام و كثرة المراجعين حتى أن البعض منهم يصل إلى موعده بعد سنة و الأمثلة حولنا كثيرة في البنوك و المصانع و المطارات و الشركات و غيرها وكل تلك المشكلات لن يستطيع أن يحلها فريق التفتيش المخلص بكتابة المخالفات بل يمكن حلها بتبني حملات قومية في المدارس و الجامعات و المصانع لنشر ثقافة العمل و العطاء و احترام القوانين و سن قوانين حقيقية و فعالة تحمي الموظفين و تدعم حقوق أصحاب الأعمال و العمل على إنشاء مكاتب قومية للتوظيف و التعيين تتبع وزارة العمل مباشرة بدلا من إعلانات الصحف الوهمية و الصورية واستقبال طلبات العمل باستخدام الوسائل التقنية الحديثة و توزيعها على مناطق المملكة و أيضا العمل على إنشاء الجمعيات و النقابات العمالية فهي وحدها القادرة على حماية مصالح الفئات التابعة لها و رفع أصواتهم و تحسين أدائهم،  ولا بد من النظر في الأوضاع الوظيفية من حيث ساعات العمل و الأجور و توفير وسائل دعم أخرى للموظفين من أصحاب الدخول المحدودة في تلك الوظائف كالسكن و التنقل من و إلى العمل… و في النهاية ربما كانت شاعرية الوزير هي التي ألهمته بتلك الحلول الحالمة من تحليف للموظفين و بحث عن مواطنين صالحين لتبني خطط الوزارة بدلا من البحث عن مقاييس واقعية كمعدلات بقاء السعوديين في الشركات و المؤسسات أو نسبة من يصل إلى مناصب عليا أو غيرها لنجاح  خطط  الوزارة وربطها بأهداف خطة وزارة العمل الحقيقية!!!


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s