البحث عن سرير


كانت مصادفة غير متوقعة أنني تلقيت في وقت كتابة هذا المقال الذي أعددته للحديث حول الجدل الأخير في الإعلام بين الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان و ووزارة الصحة رسالة الكترونية من “أصدقاء هديل”، البريد جاء كمحاولة لدعم المدونة الشابة هديل و التي أصيبت فجأة بغيبوبة نقلت بعدها إلى مستشفى خاص بمدينة الرياض، و الرسالة تدعوني لإثارة قضية هديل و التي تماثل على حد علمي مئات القضايا المشابهة، مرضى في حالات خطرة و مكلفة يعجز ذووهم عن إيجاد سرير في واحدة من المستشفيات  الحكومية المتخصصة، و بالرغم من كون هديل قد تم نقلها بالفعل لمستشفى حكومي متخصص إلا أن ذلك أتى بعد الكثير من الوقت و المحاولات… تأتي قصة هديل متزامنة مع الرد المنشور لوزير الصحة السعودي على تصريح الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان حول مقابلتها الأخيرة مع الوزير، حيث نفى الوزير ما جاء في تصريح الجمعية، و برر الملاحظات على أداء الوزارة “بالرغم من الموافقة السامية على زيادة ميزانيتها و مواردها” بالصعوبات التي تواجه القطاع الصحي على مستوى العالم ككل وليس في المملكة وحدها، و الرؤية المعلنة لوزارة الصحة هي “توفير أفضل مستوى من الرعاية الصحية التي يرضى عنها المستهلك عبر تقديم خدمات صحية مدروسة و اقتصادية بتوزيع سليم لكل المناطق و بمستوى عال من الجودة”؟… إذا كانت تلك الرؤية غير متحققة الآن وفي مدينة كالرياض التي يقطنها 7 ملايين نسمة تقريبا و يتركز فيها أكبر عدد من المستشفيات الصحية المتخصصة فماالذي سيحدث بعد عشرة سنوات أو عشرين سنة من الآن حين يتضاعف عدد سكان المملكة من الشباب و الشيوخ إلى أضعاف العدد الحالي مع ما يمثله ذلك من ضغط على موارد الخدمات الصحية المحدودة والتي لا تتناسب حاليا مع حاجات المواطن الأساسية، مشكلة معاناة أهل المريض في البحث عن سرير مجاني في مستشفى متخصص وفي مدينة كبرى كمدينة الرياض كانت أحد النقاط التي أثارها وفد جمعية حقوق الإنسان مع وزارة الصحة، والتي تشمل بالإضافة إلى ذلك عدم توزيع الخدمات الصحية بين المناطق بما يتناسب مع احتياجات المواطنين ومعاناة المرضى في التنقل للعلاج وما يعنيه ذلك من تكاليف و أعباء، عدم التعامل بشكل فعال مع الأخطاء الطبية، نقص الأدوية و المعدات، عدم فتح مراكز أبحاث متخصصة لدراسة الأوبئة و الحد منها، ضعف أقسام الطواريء، طول المواعيد للعلاج والمراجعة، ضعف الكوادر البشرية الطبية المتخصصة و على الأخص في الأماكن النائية و أخيرا ضعف الخدمات الصحية في السجون و مؤسسات العناية النفسية…و يمكن تلخيص الملاحظات التي أوردتها الجمعية في ضعف الموارد المادية و البشرية و الإدارية وهي في النهاية جميع أضلاع العملية الصحية، هنا أتساءل هل يكمن الحل في نظام التأمين الصحي الذي يدعم حق كل مواطن في تلقي عناية صحية ذات جودة عالية متى ما احتاجها لقاء مبلغ مالي معقول يدفعه بصفة سنوية؟ مما يستدعي في المقابل رقابة شركات التأمين الطبي على الخدمات الصحية المقدمة و تحسين جودتها، ونظام التأمين الطبي الذي تعمل به بالفعل العديد من الدول الغربية و يتمتع به العاملون في المملكة في معظم القطاعات الخاصة إجباريا يحمل العديد من المزايا كما يهدد في الوقت نفسه الفئات العاجزة مثلا عن دفع التأمين، و هنا يمكن أن تتولى الدولة تحديد الفئات التي لها أن تتمتع بخدمات صحية كاملة و مجانية كالعاجزين والعاطلين و أصحاب الأجور المتدنية، و نظام التأمين الطبي سيجبر القطاعات الصحية على الحصول على اعتراف المنظمات الصحية العالمية للعمل الصحي، مما سينعكس بالتالي على تحسين أداء المؤسسات الطبية و تقليل الأخطاء الطبية عن طريق تبني ممارسات صحية مجدية و فعالة وضمان تعيين الأكفاء نظرا لاتباع نظام فحص الشهادات و القدرات الدوري و اشتراط توافر معدات و أجهزة صحية لائقة و آمنة للاستخدام، و لا شك أن ما يواجهه القطاع الصحي من عجز حالي تمثل بالفعل تحديات ضخمة للوزارة، فبعيدا عن محدودية الأسرة المتوفرة في المستشفيات فهناك احتمال ضئيل في إمكانية استمرار الدولة في توفير الموارد الصحية اللازمة و الأساسية بصورة مجانية، فالنمو السكاني بحسب المتوقع سيصل بالسكان إلى 28 مليون نسمة تقريبا بعد عشرة ستوات من الآن، كما أن شيوع المشكلات الصحية كالسمنة و التدخين و أمراض الدم و غيرها من الأمراض الوراثية الشائعة لدينا نتيجة لزواج الأقارب وانتشار مرض السكري وتعقيداته من ارتفاع الضغط و فشل الكلى و تصلب الشرايين تصنع كلها خريظة قاتمة لمهمة الوزارة المستقبلية، و ربما حان الآن وقت الالتفات بجدية لدور التوعية الصحية الغائب و تكثيف حملات التوعية و تفعيل دور الطب الوقائي في تشجيع الممارسات و العادات الصحية للحد من الخطر القادم، هناك بالطبع الكثير مما يحتاجه النظام الصحي الحالي ليواجه حاجات المواطن الصحية و التحديات المتوقعة مستقبلا، و إذا كانت الدولة قد رصدت ميزانية صحية ضخمة و أقرتها للوزارة كما جاء في تصريح الوزير فالخطوة الزمنية التالية هي إثيات أن المعضلة تكمن فقط في الموارد و ليست في أداء العاملين أو في السياسات المتبعة في التخطيط و توزيع الموارد التي يتم على أساسها تقديم الخدمات الصحية، و هو ما سيتابعه من الآن عموم المواطنين بعد تصريح الوزير بكل ترقب…


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s