الانترنت و الديمقراطية

هل يطالب الجيل القادم بالديمقراطية بصورتها الغربية المألوفة؟ و هل يستطيع و قد نشأ في بيئات لا تحتضن الاختلاف و لا تمارس تعددية الفكر السياسي و الاجتماعي أن يجد ملاذا في الشبكة العنكبوتية لممارسة حرية الرأي و تقرير المصير؟… هذا ما حاولت دراسة حديثة صادرة عن مركز بركمان المهتم بدراسة تأثيرالانترنت على المجتمع و المرتبط بجامعة هارفارد أن تجيب عليه، المحور الأساسي للدراسة كان عن دور الانترنت و الاتصال الالكتروني في دفع الديمقراطية كما يظهر من دراسة محتويات المدونات العربية… و من بين الخمسة و الثلاثين ألف مدونة عربية في العالم العربي و الصادرة باللغات العربية و الإنجليزية و الفرنسية ظهرت مجموعة من الملامح العامة لعالم التدوين العربي، الوطنية و الانتماء كانت واضحة في تصنيف المدونة بحسب البلد الذي ينتمي إليه المدون و على الأخص في مجموعة المدونات المنتمية إلى مصر و السعودية و الكويت و دول الشام ( لبنان و فلسطين و الأردن و سوريا و العراق)، المدونات المصرية انقسمت إلى مجموعة مطالبة بالإصلاح المدني و فصل الدين عن الدولة و مجموعة منتمية لفكر الإخوان المسلمين، المدونات السعودية معظمها ظهرت كالمذكرات الشخصية و لم تتناول في الغالب قضايا سياسية أو عامة، مدونات الكويت انقسمت إلى تلك المكتوبة بالعربية و تلك المكتوبة بالإنجليزية، حيث تركزت محتويات كلتاهما في مناقشة القضايا المحلية و السياسة مع ميل المدونات المكتوبة باللغة الإنجليزية أكثر إلى دعم الإصلاح و مناقشة قضايا الاقتصاد و حقوق المرأة، المدونات السورية تميزت بالنقد المعتدل للقادة المحليين، كما ظهر توجه إسلامي بحت في بعض المدونات بغض النظر عن انتمائها لبلد معين حيث تتم مناقشة كافة القضايا السياسية و الاجتماعية و المحلية من وجهة نظر إسلامية، المدونون في العالم العربي هم على الأغلب شبابا من الذكور بينما ظهرت نسبة كبيرة من المدونات الإناث من مصر، و كانت المدونات على الأغلب وسيلة لمناقشة القضايا الخاصة و المحلية كما ظهر من أسلوب المذكرات المتبع في معظم المدونات، و ظهرت قضية فلسطين كالهاجس السياسي الأكبر لدى المدونين و على الأخص فيما يتعلق بأوضاع غزة، و لم تناقش سياسات الولايات المتحدة الأمريكية و لا الحرب في العراق أو في أفغانستان بكثرة، و بالرغم من حظر نشاطات الإخوان المسلمين بصفة رسمية في مصر إلا أن أفكار التنظيم و أهدافه حية و بقوة في البعد الإلكتروني، مناقشة الإرهاب حظيت باهتمام أكبر في المدونات المكتوبة باللغة الإنجليزية و لم يدعم معظم المدونين اللجوء إلى العنف كشكل من أشكال المواجهة مع الغرب،  الإسلام احتل مساحة كبيرة في محتويات المدونات و كان النقاش يتناول في الأغلب التجارب الخاصة للمدونين و مفاهيمهم الدينية أكثر مما تناول النقد أو التحليل الديني ولم يظهر فكر معارض للأديان الأخرى سوى في بعض المدونات المحافظة و التي قامت بنقد الأديان الأخرى بكثرة، حقوق الإنسان و اختلاف الثقافات كان موضوعا متداولا أيضا بكثرة في المدونات العربية و بالأخص المكتوبة باللغة الإنجليزية، و حظيت مواضيع أدبية و شعرية و ثقافية باهتمام أكبر من الموسيقى و التلفزيون و الأفلام، و تعتمد معظم المدونات على مواقع إخارية معينة أبرزها موقع قناة الجزيرة القطرية في معلوماتها كما تعتمد أيضا على روابط لموقعي يوبتيوب و ويكيبيديا الشهيرين، و باستثناء المدونات السورية و الكويتية و المغربية و البهائية المصرية فإن معظم المدونين يستخدمون أسماءهم الحقيقية في كتاباتهم، و الجدير بالاهتمام في التقرير هو الدراسة المنشورة عن المدونات السعودية و التي تظهر عدم وجود اهتمام كبير بالسياسة المحلية سواء إلى جانب النقد أو التشجيع، و تظهر بين المدونات السعودية شريحة كبرى تكتبها الجاليات المقيمة في المملكة من غير السعوديين أو الخبراء الأجانب، المدونات السعودية تظهر نشاط نسائي أعلى من المدونات العربية الأخرى كما تظهر اهتمام أكبر بالتكنولوجيا، على أن المدونات النسائية أكثر ميلا لإخفاء هوية كاتباتها من الذكورية، و ناقشت المدونات النسائية المواضيع الخاصة و العائلية بصورة أكبر من الذكورية كما ناقشت تأثير الممارسات الدينية على حياتهن في الوقت الذي تناول فيه الذكور التفسيرات الرسمية للدين بعيدا عن تأثيرها المباشر على حياتهم الخاصة، التقرير في مجمله جدير بالقراءة لأنه يظهر الوجه الحقيقي  و الذي سيشكل الواقع القادم لمجتمعاتنا، يطرح التقرير صورة شبابنا الباحث عن التواصل و عن مكان ما للتعبير عن نفسه في مجتمع أبوي شديد السيطرة، يبحث المدونون عن وسيلة ما لطرح هويتهم الشخصية -و إن كانت بإسم وهمي- و قيمهم الخاصة في مجتمع هرمي لا يعترف كثيرا بسلطة القاعدة، الإبحار بعيدا عن السياسة و الانغماس في الواقع المحلي و التعبير الشخصي عن الحياة و تجاربها ليست كلها إلا أولى الخطوات على الطريق، لا زلنا نحبو بحثا عن معرفة أنفسنا أولا حتى نستطيع بعدها معرفة الآخرين و صناعة واقع أفضل، لازلنا نرى الصورة الصغيرة من موقعنا الصغيرو بأدواتنا البسيطة و بحسب حدودنا المسموحة،  هل هي خطوة أولى نحو الديمقراطية؟ و هل استطاع المدونون كسر الحاجز الحقيقي في عالمهم الافتراضي؟ هذا ما لم يكشفه التقرير و ربما يكشفه مرور الزمن…

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s