أروى خلف القضبان


تستدعي الأخبار المتكررة المنشورة عن تمرد نزلاء دور الملاحظة الاجتماعية  و الذي انتهى بهروب بعض النزلاء ومنهم “يتيم”وبقمع الباقين بواسطة رجال الأمن وبالأخص في دار الملاحظة الاجتماعية بالمدينة المنورة العديد من الوقفات، فماهي أسباب التمرد ولماذا احتاج الأمر إلى أكثر من مائة رجل أمن و إلى استخدام الغاز المسيل للدموع لقمع التمرد و أين هو التعليق الرسمي من وزارة الشؤون الاجتماعية و من المسؤولين فيها و الذي لا بد أن يتبع ذلك الحدث لتوضيح أسبابه للرأي العام ولماذا كان هناك الكثير من تبادل الاتهامات بين الشرطة و بين المسؤولين عن دار الملاحظة الاجتماعية؟؟… و السؤال الأهم بالنظر إلى هروب اليتيم المنشور و بالنظر إلى نسبة الأيتام المتواجدين في دور الملاحظة الاجتماعية هو هل أصبحت دور الرعاية الاجتماعية التي افتتحتها الدولة لرعاية من لا راع لهم مساهم رئيسي إلى جوار ظروف الحياة التعيسة في إشغال دور الملاحظة الاجتماعية حتى أصبح أيتامنا يستجيرون من الرمضاء بالنار؟؟؟…. ولأن الشيء بالشيء يذكر فقد تذكرت أروى ابنة الثالثة عشر -منذ عدة سنين- عندما كنت متطوعة للعمل في جمعية خيرية لرعاية الأطفال، بقيت أروى في ذاكرتي لأنها تحمل تلك العلامات المؤلمة التي ينقشها الغضب و قلة الحيلة أمام واقع محبط على وعي الطفل فينشأ رافضا متمردا وعنيفا، لم تكتن أروى كمعظم من بالدار و لكن كان لها والدين فرقتهما ظروف الحياة و إخوة صغار فرقتهم دور الرعاية بين إناث و ذكور، و عندما صادفت إحدى الزميلات المتطوعات بعد عدة سنين سألتها عن أروى و أحوالها و أحزنني أن أعلم أنها هربت من الدار للحاق بأمها (ذلك الهاجس الذي كان يؤرقها حتى أطاعته) و لكن تم ضبطها و إحضارها و الحكم عليها بالبقاء في إحدى دور الملاحظة الاجتماعية للفتيات لعدة سنوات، ولا أعلم بالطبع نهاية قصة أروى و لكن أثق أن قصتها تتشابه مع الكثير من القصص في دور الرعاية و في بيوتنا المحصنة و المغلقة بعيدا عن أعين مؤسسات الرقابة العامة الغائبة، و في مقابلة تلفزيونية مع شابين من أبناء دور الرعاية السابقين كانت كلماتهم شهادة حقيقية ضد القائمين على دور الرعاية و دورهم في دفع هؤلاء الشباب نحو دور الملاحظة الاجتماعية بغلوهم في العقوبة و إذا استشهدنا بما ذكره الشابان فقد تم نقلهما إلى دور الملاحظة الاجتماعية في القصيم لعدم إقلاعهم عن التدخين خوفا من اتباع الآخرين لهم، و لا أدري هل هناك أسباب أخرى و لكن لا تبدو تلك ذرائع كافية لإلقاء أطفال دور الرعاية و شبابها في دور الملاحظة الاجتماعية نتيجة فشل القائمين في دور الرعاية في حل مشكلاتهم مبكرا و احتوائها إيثارا لسلامة الباقين و ضعفا من الوزارة في تأهيل الاخصائيين والأخصائيات للتعامل مع مشكلات الطفولة و المراهقة و تحديد أبجديات العقاب و الثواب وتبني برامج متقدمة داخل الدور للتعامل مع التمرد الطبيعي الذي يواجه كل مراهق في بيئته الطبيعية المحبة ناهيك عن بيئة مزدحمة جافة خالية من أي علاقة ارتباط حقيقي بالمراهق و الطفل، وأنا هنا لا أقلل حقيقة من جهد المخلصين و المخلصات الذي لمسته في بعض القائمين على هذه الدور و لا أقلل من حجم التحدي الذي يواجه العاملين –على الأقل المتعلمين و المتعلمات منهم- مع أبناء و بنات دور الرعاية و أيضا لا أنكر التعقيد الذي يلازم ظروف و نشأة هؤلاء الأطفال و صعوبة الحفاظ على نمط معين في التربية و التوجيه بوجود عدد كبير من الأطفال من مختلف الأعمار و الطباع و الخلفيات، و قد لمست شخصيا عنف بعض الأطفال و تمردهم و في بعض الأحيان وللأسف الشديد تأخرهم العقلي أو إعاقتهم الجسدية و هو أمر شائع في أطفال دور الرعاية و قد أثيتته العديد من الدراسات، وكل ذلك يزيد من حجم المسؤولية الملقاة على القائمين على هذه الدور و يدعو إلى تأهيل أعلى و تكريم مادي أكبرنظرا لمتطلبات العطاء و الجهد المطلوب في مثل هذا العمل، ، مما يوجب النظر في إعادة تقييم الكادر المتخصص القائم على هذه الدور وتبني بعض الأنظمة المتدرجة في التعامل مع جنوح الأحداث حتى لا نفقد أعضاء صالحين داخل دور الرعاية و منها  إلى دور الملاحظة الاجتماعية و التي أثبتت الأخبار المنشورة فشلها المتكرر في القيام بمسؤوليتها تجاه  نزلائها، و إذا كانت دور الرعاية لا تزال تحمل بعضا من ملامح الرحمة لدى بعض المسؤولين و المسؤولات فيها إلا أن دور الملاحظة الاجتماعية و التي بدأت صحفنا تنشر على استحياء تمرد قاطنيها كل فترة و أخرى حتى لم يعد يصح سوى قمعهم بواسطة الشرطة و بواسطة الغاز المسيل للدموع -والذي أعتقد أني أقرأ عن استخدامه في بلادنا ربما للمرة الأولى- تثير حقيقة خوفنا و شكنا في آليات عملها و في المسؤولين عنها، فهل أنصفنا تلك الأرواح الصغيرة بيننا و التي قابلنا و عيها المحدود بمصاعب الحياة و جهلها و ردود أفعالها الهوجاء على ظروف تعيسة ربما لا دخل لها فيها بأسهل الطرق و هو التخلص منهم خلف أبواب عازلة حتى يأذن لهم القاضي بالرحيل أو تشملهم مكرمة ملكية أو يتم شحنهم على سجون الكبار، هل أنصفناهم أو أنصفنا أنفسنا و نحن أبناء الإسلام دين الرحمة و العدل؟؟…
و لنا أن نتخيل ماذا يمكن أن يحدث لمراهق “مدخن” داخل دور الملاحظة الاجتماعية، ففي المملكة الآن بحسب تقرير قديم لم أجد سواه 126 حدثا متهما بجرائم القتل في دور الملاحظة الاجتماعية، و تتصدر مدينة جدة النسبة الأعلى في عدد الأحداث وهو أمر مفهوم بالنظر إلى طبيعتها، و إلى جانب جرائم القتل هناك المعاكسات و التفحيط الذي قد يؤدي لوفاة الآخرين و تخريب الممتلكات و السيارات و ترويج المخدرات و شرب الخمور و التعدي الجسدي على الآخرين… و تقدم العديد من التقارير و الدراسات عددا من العوامل المشتركة لنشوء الانحراف و الجنوح لدى الأحداث مثل التسرب الدراسي، ففي المملكة و في دراسة لليونسيف تشكل نسبة التسرب الدراسي في المراحل من الابتدائية و حتى المتوسطة  44 % من عدد الطلبة  بينما يمثل ضعف التوجيه الدراسي وضعف العلاقة بين الطالب/ الطالبة و المعلم أو المعلمة في بيئة التعليم أحد الأسباب الرئيسية التي ينشأ عنها أحد أهم مظاهر جنوح الأجداث في المملكة و هو تخريب الممتلكات و السيارات و الفصول الدراسية و في أحيان أخرى الضرب و التعدي على المعلم/ المعلمة، ثم هناك الصحبة السيئة و التي يظهردورها أكثر في غياب الأسرة المتماسكة و غياب مؤسسات النشاطات الاجتماعية و الترفيه العامة فأكثر من 73% من نزلاء دار الملاحظة الاجتماعية بالقصيم قد ارتكبوا أفعالهم الانحرافية بمشاركة الآخرين…و في مواجهة أنظمة العقاب و العزل الانفرادي المتكرر و المتبعة في دور الملاحظة الاجتماعية التي بالتأكيد لن نحصد من ورائها سوى المزيد من التمرد و المزيد من الانحراف بسبب المزيد من الصحبة السيئة داخل دور الملاحظة فلا يتواجد لدينا فعليا أي برنامج مؤسسي و رسمي جاد لمواجهة خطر انحراف الشباب، فلا توجد لدينا مثلا إجراءات وقائية كتحسين دور التعليم و المدرسة في الجانب التربوي و التأديبي و فتح المجال للشاب للعودة عن الخطأ بأسلوب التشجيع على المكاشفة و المصارحة بين المشرفين الاجتماعيين و بين الطلبة و الطالبات و رفع مستوى الوعي بعواقب الخطأ و تنظيم حملات التوعية الهادفة في أماكن تجمع الشباب و خصوصا في المناطق و الأحياء الأقل حظا من الناحية الاقتصادية و الاجتماعية و إنشاء برامج الترفيه الاجتماعي و الرياضي المناسبة لشغل أوقات الفراغ و خفض كثافة الفصول و تحسين جودة العملية التعليمية بحيث يصبح الطالب مشارك أكثر منه مستقبل و البحث عن فرص العمل المناسبة و التدريب بأجور رمزية للشباب و الشابات و تأهيل العاملين الاجتماعيين و النفسيين لدينا و هم الحاضرين بأجسادهم و الغائبين بمجهودهم و أثرهم في المؤسسات التعليمية و دور التربية لحصر الأطفال و المراهقين  ذوي الميول العدوانية و التعامل معهم بحرفية و الأمر الأكثر أهمية وهو حال وقوع الجريمة تأهيل القضاة في محاكم الأحداث للنظر في طبيعة المرحلة العمرية و ظروف الجريمة و من ثم إنشاء نظام عقوبات متدرج يراعي إصلاح الحدث أولا بدلا من عقابه و ذلك مثلا بفرض ممارسة عقوبات بديلة تنمي الحس بالمسؤولية و الوعي كالقيام بأنشطة اجتماعية كتنظيف الطرق أو زراعتها أو المشاركة في حملات التوعية وذلك في صحبة هادفة و رقابة قوية بدلا من الحبس التقليدي المتبع حاليا و الذي لا ينجب للمجتمع سوى المزيد من التمرد و الجنوح، أيتامنا و أبناءنا في دور الرعاية ليس لهم بعد الله سوى رقابة أبناء و بنات هذا المجتمع على رعايتهم و مصلحتهم و هو واحد من أهم أدوار المجتمع المدني أن يشترك في رعاية هؤلاء الشباب و البنات و في كشف أخطاء مؤسسات الرعاية و الملاحظة الاجتماعية الرسمية و أن يطالب الوزير و المسؤولين بتقديم المبررات و خطة العمل المتبعة لوقاية أبناء هذه الدور من مصير مظلم و قد ائتمنوا على رعايتهم و أن يقوم مجلس الشورى بتخصيص جلسة لمناقشة أوضاع هذه المؤسسات و كيفية حماية القاطنين فيها من الإهمال أو الظلم، أما أن يذوب الخبر و تذوب معه آمال أبناء و بنات دور الرعاية و الملاحظة الاجتماعية في لفت النظر للقصور و العجز في رعايتهم أيا كانت الأسباب فهو أمر مخجل حقيقة في بلاد يعيش فيها أكثرمن سبعة عشر مليون مسلم…

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s