إشارات الأمل في الشرق الأوسط

إنها اللحظات الأخيرة و بداية العد العكسي للإدارة الأمريكية الحالية في البيت الأبيض، إنه الوقت الذي يتطلع فيه العالم “للتغيير” الكلمة الأشهر في القاموس المحكي لهذه السنة، و في خلال هذه الأوقات المترقبة و المتأملة خيرا يخرج الرئيس الأمريكي بوش بالعديد من التصريحات التي تترك المشاهد حقيقة في تعجب من عالم السياسة المتلون، فهو كثيرا ما يبدو شبيها بعالم هوليوود صادرا من الخيال و موجها لأغراض الترفيه و التسلية أكثر مما يعكس أي حقيقة أو مصداقية، هناك مثلا تحليل الرئيس الأمريكي لنتيجة غزوه للعراق، ذلك الغزو الذي وقف ضده الجميع و ما زال يدفع ثمنه كل الأطراف في لغز متشابك لا يدرك هدفه أحد، يقول الرئيس “أن المعركة الأيدولوجية ضد التطرف في الشرق الأوسط  لم تتم دائما كما نريد، لكنه أكد أن العراق يشكل اليوم نموذجا لدولة معتدلة و مزدهرة و حرة”… أما المفارقة الحقيقية فهي أن تلك الكلمات بالذات هي عكس كل ما يحدث الآن على أرض العراق، فبداية أين هو الاعتدال في الصراعات الداخلية الشرسة بين السنة و الشيعة و بين أنصار الحزب الحاكم من بعثيين و قوميين و غيرهم؟ … تلك الخلافات التي تنامت و أصبحت حجر عثرة في مسيرة أي إصلاح سياسي في المنطقة، المارد النائم أيقظته بقسوة الإطاحة الهمجية بالنظام الحاكم السابق حتى لم يعد يستطيع أحدا أن يوقف غضبه، حتى أن نائب الرئيس العراقي صرح مؤخرا برغبته بالتخلي عن منصبه لقاء التوصل إلى حل يلغي نظام الحصص الطائفية التي اعتمدها النظام الأمريكي بعد الحرب، و بحسب هذا النظام يتم تقاسم المناصب الحكومية و رئاسة الجمهورية و البرلمان تبعا لنسب معينة بين السنة و الشيعة و الكرد، و هو ما أدى إلى اغتيالات و استقالات و فوضى إدارية أثبتت فشل هذا النظام في تحقيق أدنى اتفاق بين تلك الأطراف، و في بلد تتعدد فيه المذاهب القومية و الدينية و الفكرية كالعراق لا يوجد أسوأ من فرض تلك التعددية بالقوة على شعب اعتاد على نظام قومي لعقود طويلة، و لا يوجد الآن ما يناسبه سوى الاستمرار في تبني سياسة قومية تضم الأكفأ بغض النظر عن مذهبه، أما التعبير الثاني الذي استخدمه الرئيس بوش و هو “دولة مزدهرة” فهو ما يمكن أن تنفيه تلك الأرقام المخيفة للاجين العراقيين و على الأخص في دول الجوار الأردن و سوريا و الخليج أو في دول الغرب، حيث يعيش ما مجموعه أربعة ملايين عراقي لاجيء تقريبا، آلاف العراقيين دفعوا كل ما يملكون للحصول على لجوء بأي شكل أو مسمى في أوروبا و أمريكا و أي دولة أخرى تقبلهم، ذلك الشعب الذي عرفه العالم كمنتج للأدباء و الأطباء و أصحاب العلم و الفن، يعمل أبناءه الآن في أسوأ المهن و أدناها، يتشتت المهاجر العراقي بين عدة محطات بحثا عن مستقر آمن و يعاني من قسوة البحث عن عمل في ظروف لم تسمح له بتأهيل مناسب لأي عمل كريم، و يرسل معظم المهاجرين كثيرا مما يتحصلون عليه لمن بقي من أسرهم عالقا في العراق، و تضيع سنواتهم في انتظار الخطة الأمريكية للانسحاب الذي يطول عاما بعد عام، و تمتليء مواقع الأخبار بقصص مؤلمة لعراقيات افترشن الأرض و عملن في الشوارع و كثيرا منهن امتهن الرذيلة للخلاص من الفقر و لإطعام أسرهن، وهو ما يجعل أي حديث عن الازدهارفي العراق و الفرص الجديدة و الذي مازالت تمرح فيه القطط السمان من باب شر البلية بالفعل، أما الحرية فهي تلك القيمة الغائبة في انعدام الأمن، فما فائدة الحرية إن كانت ستغتالك رصاصة ما في أي وقت؟… كان من الأفضل للرئيس الأمريكي أن يبقى صامتا حقيقة و على الأخص حول الشرق الأوسط حتى تنقضي الأشهر الباقية له بسلام، فقد أفسد بالفعل بكلماته تلك المشاعر القليلة المتفائلة بالتغيير القادم و المأمول به و إن لم يحدث، و الغريب أن الكثير من الأمريكيين يعتقدون بأن أمريكا تدخلت بخيلها و رجالها لنصرة العرب من طغيان قادتهم، وهو ما يؤكده تصريح آخر للرئيس بوش و الذي يرى فيه أن التغييرات التي شهدتها الثماني سنوات السابقة تبشر ببداية شيء تاريخي و جديد (نتيجة لسياساته)، و يؤكد أن منطقة الشرق الأوسط تمثل شيئا أكثر من عقدة من المشاكل لحلها أو خزان لموارد الطاقة يجب تطويره، و هو هنا يبدو أكثر تفاؤلا من العرب أنفسهم، و الذين لا يرون هذا التأثير الباهر و المبشر في واقعهم المحلي، فالعراق ربما تتبعها إيران أو السودان أو سوريا في مرحلة ما لاحقة، و تبدو السودان المرشح الأكثر جاذبية للعمل العسكري القادم من أمريكا، فالإصرار الذي تبديه القيادة السودانية لتجاهل النداءات العالمية لحل مشكلات دارفور ربما سيدفع ثمنه الشعب السوداني كما حدث سابقا مع الشعب العراقي، و من المفارقات أن تأتي تصريحات الرئيس الأمريكي في الوقت الذي يحتفل فيه العالم هذا الشهر بيوم حقوق الإنسان العالمي، و الذي له بالطبع هنا مفهوما متغيرا بحسب موقع هذا الإنسان على الخريطة العالمية، أما النقطة التي أثارت عنصر الإثارة بحق في تصريحات الرئيس فهي إشاراته للأمل الذي يراه في الشرق الأوسط، إنها بالطبع الرؤية الهوليودية لواقع العراق وهي الدولة الأكثرتعرضا للتدخل من أمريكا، و على الأخص بعد التعداد الأخير الذي ظهر من البنتاغون أو وزارة الدفاع الأمريكية حول عدد القتلى من العراقيين  و الذي يتراوح بين تسعين ألف قتيل منذ بداية الحرب و ثمانية و تسعين ألف جريح، هذا غير السجون العراقية التي تحوي أعداد أكبر من أبنائها و لا تزال تنتظر الأمل في الإفراج عنهم بعد تغيير القيادة المنتظر و لو كان إلى مصير مجهول، أما العبارة الحائزة على أفضل تقدير في رأيي المتواضع فهي ما أدلى به الرئيس بوش في مقابلة له مؤخرا” أود أن يتذكرني العالم كالرئيس الذي “حرر” خمسين مليون إنسان في العراق و أفغانستان و ساهم في حصولهم على السلام الذي تركز على الإنسان بدلا من الأنظمة، و الذي قام بحشد القوى ليساعد الناس جيرانهم”، وعلى الأغلب فقد توقف العالم منذ زمن بعيد و بالتحديد منذ العام 2003 عن متابعة خطب الرئيس ناهيك عن تصديقها، و لكن المؤكد أن الرئيس الذي يبحث الآن متأخرا عن شعبية ضائعة قد خلد إسمه بالفعل في التاريخ و إن لم يكن في المكان الذي يتمناه،  و أن الخمسين مليون إنسان في العراق و أفغانستان أو بالأصح من بقي منهم سليما بعد الحرب لا يزالون يبحثون عن أي بشائر للأمل، و المضحك أنه في لقائه مؤخرا في البيت الأبيض مع نادية بلباسي من الإم بي سي أكد تفاؤله حول القضية المحورية في الشرق الأوسط و هي بالطبع القضية الفلسطينية، و التي أراد أن يشرحها في  سببين أساسيين، و لكنه تحمس على ما يبدو و استمر في سرد أسباب تفاؤله حتى السبب الخامس، و بالرغم من هذا العدد لم يكن هناك ما يدعو إلى التفاؤل، فكل ما ذكره هو بالضبط ما كان موجودا على الساحة للعديد من السنوات و لن يتغير لسببين أو حتى لخمسة متداركة بهذه البساطة، ما يحدث في العراق الآن هو إعدادها من جديد للوقوف ضد إيران و خطتها النووية سواء كانت تمثل تهديدا حقيقيا أم لا، و في ختام لقائه مع القناة أعاد الرئيس نفس العبارات السابقة عن صورته التي يأمل أن يتذكره عليها الناس، و لكنها هنا موجهة للإنسان الشرق أوسطي، الذي أراده أن يتذكره كرجل  يحترم دينهم و حقوق الإنسان و كرامته و كساع إلى السلام، و بالرغم مما قد تثيره تلك العبارات في نفس الشرق أوسطي من ردود فعل غيرمحمودة العواقب على الأغلب، إلا أن الإنسان العربي و إن تعذر عليه تحقيق الأمنيات الأخيرة للرئيس الأمريكي فهو بالتأكيد سيبادر إلى “ستر ما واجهه منه” بالتعبير المحلي طمعا في سرعة التخلص منه…

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s