إخلاء طرف

هناك شيء مفقود في تطبيقات التكنولوجيا لدينا فنحن نملكها ولكن لسبب ما لا نستغلها لأهدافها و إمكانياتها الكاملة بل نحتفظ دائما بشيء ما من الأسلوب التقليدي في التعامل الرسمي وكأننا نتشبث بما نعرفه خوفا من المخاطرة فيما لا نعرفه، و التقدم التكنولوجي الذي يحفظ الوقت والجهد الضائع في المعاملات الروتينية و في الاتصال بين الجهات ذات العلاقة و يحول المهمات الإنسانية المتعددة والمعقدة إلى خطوات آلية سريعة كما يحفظ وقت الموظف ويفرغه لاستثماره في المهمات الأكثر تطلبا لم يجد له مكانا بعد في منطقتنا، فلاتزال المعاملات الورقية هي المفضلة ولا يزال العنصر الإنساني حاضرا في أبسط المهمات الروتينية المطلوبة كتدقيق الحضور و استلام الطلبات والرد على الاستفسارات الهاتفية بالرغم من تحول مهمته لمهمة آلية ومازلت تحتاج عند اتصالك بالجهات الرسمية لمعرفة معلومة ما  إلى الوصول إلى أحد المسؤولين لإفادتك حول أمور روتينية يمكن عمل تسجيلات صوتية لها وإعادتها بحسب طبيعة الاتصال و تقليل المكالمات المرسلة بعدها إلى الموظف المسؤول فنتيح له الوقت اللازم لقيامه بمهمته بدلا من ترك المراجع على الهاتف لأمد لا يعلمه سوى الله أو اضطراره للحضور شخصيا للبحث عن إجابة، كما تبرز قلة تفعيل الأنظمة الالكترونية عند الحاجة إلى الاتصال بين جهات متعددة، و الأمر الأهم هو أن تلك الجهات التي تملك بالفعل أنظمة الكترونية تعطيك نفس الوقت اللازم لإنجاز معاملاتك كما الجهات التقليدية التي تعمل وفق الأسلوب التقليدي، ولم نجد بعد أثر التكنولوجيا في تقليل الأخطاء الإملائية الإنسانية وعدم دقة المعلومات و الحصول على بديل سريع للأوراق الرسمية حال فقدانها و توفير وقت المراجع وجهده، وبالرغم من تأثرنا عالميا وتأخر ترتيبنا في التصنيف العالمي للجامعات نتيجة لضعف  استخدام التكنولوجيا في التعليم، فإنني لم أعول كثيرا على الخبر المنشور عن استثمار 85 مليون ريال في عمل موقع الكتروني لجامعة الملك سعود، ففضلا عن المدة الزمنية العجيبة المتوقعة لاستكماله بالرغم من ضخامة المبلغ فهناك العدد الهائل من الموظفين والموظفات الذي يجب تأهيله على استخدام النظام بعد أن تشربوا لعدد من السنين بكل ضروريات وأدبيات العمل الكتابي التقليدي، و أتذكر أنني أثناء دراستي بجامعة بريطانية لم أحتج أبدا إلى زيارة أي جهة بالجامعة خارج مباني التدريس سوى مرة واحدة فقط نظرا لإمكانية إتمام كل العمليات المطلوبة عن طريق شبكة إلكترونية داخلية، والشواهد حول ضعف تفعيل التكنولوجيا الغير مبرر أبدا في عالمنا اليوم كثيرة، فحاجة الجوازات مثلا لتصوير بطاقة السماح بالسفر لكل سيدة و تعطيل المسافرين المنتظرين حتى البحث عن جهاز تصوير متوفر تثير التساؤل حقيقة حول حاجتهم إلى صورة البطاقة وهي صادرة من نفس الجهة ثم هل يقومون بتصوير جواز السفر لكل مسافر؟؟ أما أفضل مثال على ضعف تفعيل التكنولوجيا فهو تلك الورقة الشهيرة لإخلاء طرفك من مقر دراستك أو عملك إذا كنت تعمل في جهة حكومية ما،  وهذه يتذكرها جيدا و يعلمها كل من مر بها، وقد استغرقت شخصيا أكثر عشرة أيام من المتابعة و يومين عمل من التفرغ التام لإنهاء إجراءات استقالتي وذلك لاستكمال التوقيعات المطللوبة من بضع وعشرين مسؤول في إدارات مختلفة بعضهم لم يسبق لي التعامل معهم من الأصل حتى أخلي طرفي منهم والبعض الآخر لم يكتفي بتوقيع مسؤول واحد بل أكثر من عدة أشخاص والغريب أنك تحتاج إلى توقيع من بعض الأقسام بينما تحتاج إلى ختم وتوقيع من البعض الآخر، وبالرغم من كونها فرصة لطيفة للتعرف على بعض الإدرات التي لم أعلم شيئا عن وجودها من قبل إلا أنه كان من المحبط أن تدرك أنك وقد قطعت طريقا طويلا للوصول إلى الإدارة وانتظار المسؤول بأنه غائب لسبب ما وأن الوصول للختم الرسمي غير متاح حاليا وبمعنى آخر “فوت علينا بكرة” ، و الأسوأ هو أن تكتشف بأن  الإدارة التالية على القائمة لن تتفضل بالتوقيع حتى تتثبت من الإدارة السابقة في تكامل عملي مدهش نادرا ما تراه في الحياة اليومية العملية، و فضلا عن خيبة أملك لإدراك أن المسؤول قد قام بالتوقيع في المكان الخطأ أو أنه وقع ولم يختم بالختم الرسمي وأنك لابد أن تعود إليه من جديد فإن أسوأ ما يمكن أن يحدث بعد أن تستطيع بالفعل تحقيق المأمول والحصول على التوقيعات والأختام الكاملة أن تفقد الورقة، فلا بديل عندئذ سوى العودة من حيث بدأت من جديد، و الطريف بالفعل أنك تجد أمام كل موظف مسؤول شاشة كمبيوتر لتسجيل المعلومات الخاصة بك و عندما تسأل إذا كان من الممكن التنسيق عن طريق البريد الالكتروني أو إخطارما من شؤون الموظفين مع كل إدارة معنية بدلا من حضورك شخصيا وإضاعتك لجهدك ووقتك و وقت عملك فسوف تتفاجأ لمعرفة أنه لايوجد اتصال الكتروني بين الإدارات المختلفة بالرغم من إمكانية تحقيقه، أما لماذا لم يتحقق ذلك بالرغم من استثمار الموسسة كما غيرها من المؤسسات في أنظمة الكترونية متقدمة و مكلفة وبالرغم من توظيف عدد من الأشخاص للدعم الفني و تطويع الأنظمة لاستخدام المؤسسة فهذا هو الشيء الغير مفهوم، وإذا كان فقدان الاتصال بالرغم من توافر الأنظمة الالكترونية يحدث بين الإدارات ذات العلاقة والتي يجمعها مكان واحد فهو يحدث أيضا بين الوزارات في نفس المدينة وبين الوزارات و الهيئات وفروعها في المدن الأخرى و أيضا بين الهيئات الرسمية خارج المملكة وبين الوزارات الحكومية، وأتذكر أحد المسؤولين الذي كان يصر في إدارة ما على الاحتفاظ بنسخة ورقية من كل معاملة بالرغم من استخدام الأنظمة الالكترونية خوفا من تعطل النظام حتى أصبحت ملفات الأوراق تحتل غرفا ضخمة للتخزين على مر السنين في الوقت الذي لا يجد فيه الموظف مساحة كافية للتحرك والعمل و بالرغم من توفر الوسائل الآلية لحفظ المعلومات،  يبدو استخدام التكنولوجيا لدينا ونحن نملكها بالفعل وكأنها مازالت في طور التجربة منذ بدايات التسعينات وحتى الآن، وكأنها لم تحز بعد على ثقة المسؤولين في الانتقال إليها والتخلص من روتين الأوراق الرسمية العتيقة، والكل يسمع عن رغبة الجميع في إحلال أنظمة معلومات متقدمة في الخطة الخمسية القادمة لدى كل مصلحة ووزارة فالكل يتحدث بحماس عن النظام الالكتروني الجديد في السفر والتنقل و الحصول على الأوراق الرسمية والتقدم للجامعات والتوظيف و التقاعد و الكل يسمع أيضا عن الهدف الأعظم “الحكومة الالكترونية” والتي نسمع عنها منذ أكثر من عقد من الزمان ولا نراها‘ وربما نحتاج إلى إنشاء هيئة رسمية عليا لدراسة مدى قابليتنا للاستفادة من التكنولوجيا وربما تثبت لنا أننا لا نحتاجها وأننا وقد استطعنا أن نبقى بعيدا عنها كل تلك السنوات فإننا نستطيع أيضا أن نستمربدونها بعد كل شيء، وعندها ربما نستطيع أن نوفر تلك الملايين من الأموال الغير مستخدمة و التي من الممكن أن تساهم في حل أزمات أهم كأزمة غلاء الأرز و ارتفاع أسعار المعيشة ….

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s