أزمة خبراء

يشهد القطاع الصحي حاليا أزمة حقيقية في إيجاد أشخاص مؤهلين للوظائف القيادية المتخصصة، فمع زيادة النمو السكاني و ضغط العمل و التطور الملحوظ في ممارسة الطب أصبحت الوظائف الصحية أكثرتطلبا للتأهيل العلمي المعتمد و للتأهيل الشخصي اللازم للعمل في أجواء سريعة التطور و في بيئة كثيرة المتغيرات، و قد يدهش القاريء إذا علم أن هناك نقصا حرجا في الوظائف القيادية “المساندة” في القطاعات الصحية للدرجة التي قام فيها المسؤولون بصرف مكافأة تشجيعية لأي شخص يساهم في ملء أحد هذه الشواغر، و القطاع الصحي اليوم مع تطور و تعقد التخصصات و وسائل التشخيص و متطلبات العناية بالمريض و متطلبات الحصول على الاعتراف من الجهات الرسمية العالمية بات أكثر تطلبا التخصص الدقيق من قبل، وبرزت مع الاتجاهات الجديدة للجودة في ممارسة العمل الحاجة أكثر من أي وقت مضى للمهارة و العلم في المتقدمين للوظائف القيادية، ومازالت هناك بعض التخصصات المطلوبة و بشدة في المجال الطبي كنظم المعلومات الطبية و بعض التخصصات الدقيقة في الطب والمختبرات الطبية و التمريض و الصيدلة التي لم يعنى بعد واضعي النظام الصحي أو التعليمي بتطويرها ووضع الخطط اللازمة للتأهيل الدقيق فيها، وقد أتيحت لي الفرصة مؤخرا لحضور لقاء بين المسؤولين عن أحد القطاعات الصحية الحكومية وبين مسؤولي التوظيف في نفس المؤسسة، وكان الهدف من اللقاء هو محاولة لفت نظرمسؤولي التوظيف إلى مدى صعوبة الحصول على متقدمين حاصلين على المؤهلات الكافية لأداء الوظيفة المطلوبة و مدى صعوبة قبولهم بالوظيفة المعروضة بعد ذلك في حال العثور عليهم لضعف المميزات الوظيفية الممنوحة، في اللقاء السابق استعرض رؤساء القطاعات الصحية المختلفة العوائق التي تواجه كلا منهم في الحصول على الشخص المؤهل للوظيفة و كانت أبرز العوائق أن التأهيل اللازم لشغل الوظائف بكفاءة غير متاح حاليا إلا لدى الخبراء الأجانب بينما مازال السعوديين و هم الفئة المتاحة و بكثرة بعيدين عن مثل هذا التأهيل، و لعل أهم تعليق ورد في اللقاء السابق كان على لسان رئيس القطاع الصحي الذي ذكر أن المؤهلين اليوم و أصحاب الخبرة لن يتجهوا للقطاع الصحي العام بمميزاته الوظيفية الضئيلة و ساعات عمله الطويلة بل سيتجهوا للقطاعات الخاصة و المؤسسات  الربحية كمؤسسات توزيع وبيع الصناعات و المنتجات الطبية و التي تضع في اعتبارها الدخل المميز و ساعات العمل المرنة، في نفس اللقاء برزت مشكلة توجه الإدارة الطبية للاعتماد على الخبير الأجنبي في تأهيل و تدريب الكوادر السعودية الشابة، و في الحقيقة لي تحفظ شديد على هذه الفكرة، ففي الممارسة العملية يمكن تأهيل الكوادر السعودية إلى درجة محدودة في أداء المهام الوطيفية ولكن لا شيء يعادل التفرغ للتعلم الأكاديمي المحترف على يد أصحاب الخبرة و ما يمكن أن نحصده من تأهيل شخص قضى خمس سنوات على رأس العمل يمكن أن نجده لدى شخص قضى سنة واحدة في العمل و يحمل تأهيلا أكاديميا متخصصا، فلا يمكن للممارسة العملية أن تغني عن الإعداد الأكاديمي المحترف و الذي يمنح الشخص القدرة على فهم المباديء العلمية والنظرية و البحث الدقيق عن مصادر المعلومات الموثوقة و المنهح العلمي في الممارسة و التدقيق و هو أمر لا يمكن الحصول عليه بمجرد اتباع خطى خبير أجنبي في ممارساته اليومية و قد يطبق ذلك و قد لا يطبقه، و البرامج العلمية المتخصصة في الجامعات و المستشفيات التعليمية العالمية توفر مثل تلك البرامج و في مدد زمنية قصيرة، و من المفارقات أننا نعطي الخبير الأجنبي في عدة شهور ما يعادل المبلغ اللازم لتأهيل شاب سعودي في جامعة أجنبية لمدة عام واحد، و بينما تستمر حاجتنا الدائمة للخبير الأجنبي يبقى الشاب السعودي بانتظار التأهيل اللازم و الذي لن يأتي أبدا، شخصيا شهدت هجرة عدد من العقول السعودية المميزة بعيدا عن مجالهم الصحي لانعدام فرص تطورهم الوظيفي و عاصرت استشاريين أجانب يتم تجديد التعاقد السنوي معهم بالرغم من تخطيهم للسن القانونية للعمل لانعدام البديل المحلي و الأمثلة حولنا تشهد بذلك، لست ضد البحث عن الكفاءة لدى الخبراء الأجانب و لكنني مع فكرة تطبيق الحل بعيد المدى و لو لم تصلنا ثمرته إلا بعد عدة سنين، و لا بد للمسؤولين عن التوظيف و رؤساء الأقسام من النظر بجدية في اختيار و تأهيل مجموعة من الأشخاص في كل قطاع صحي ليكونوا نواة للقياديين الأكفاء في مجالاتهم و عدم التعلل بالميزانية التي تهدر في كثير من الأحيان بلا عائد حقيقي، لا شيء يماثل الاستثمار في الإنسان و علمه ولا بد من خطة تطويرية في كل قطاع صحي للبحث عن و تأهيل العناصر الفعالة و التي ستبقى لخدمة هذا الوطن، و لنا مثال طيب في مجموعة العلماء و العالمات السعوديين الذين حصدوا الجوائز في المؤتمر الأوروبي للاختراعات، وعلى مستوى الدول العربية و الشرق أوسطية تحتل بعضا من مستشفياتنا مكانة مرموقة و يمكن العمل على دعمها بالعناصر البشرية المحلية القوية لتمثل مصدرا من مصادر الدخل القومي، و يمكن إحياء أقسام التدريب و التطوير الهامدة في قطاعاتنا الصحية و مدها بالخبرات اللازمة لتكون لها رؤية مستقبلية وخطة زمنية لإعداد الكوادر الوطنية المؤهلة لملء الشواغر، و في الوقت الحالي مازالت الإعلانات المقدمة من وكالات التوظيف المنتشرة على الإنترنت تصيبني بالأسف الشديد حقيقة للجهد المبذول للبحث عن الخبير الأجنبي و الوعود المقدمة لتوظيفه بينما يقبع شبابنا و شاباتنا في وظائفهم الروتينية اليومية بلا تطوير و بلا تشجيع حتى يقضى على البقية الباقية من همتهم و حماسهم و عقولهم و يصبحون عبئا على المؤسسات الطبية و على المرضى أو يتسربون للقطاعات الأخرى بينما تبقى أزمة الخبراء الأجانب قائمة بلا حل

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s