أزمة الفأر

لم أكن أعلم حقيقة مقدار الاهتمام الذي يوليه الإعلام الغربي لخطابنا الديني و الذي أصبح مؤخرا موضوعا شبه دائم في الأخبار العالمية، و كلي يقين أيضا بأن الشيخ محمد المنجد و غيره من شيوخنا الكرام يشاركونني الآن في ذلك الاكتشاف، الموضوع الذي أثار أصداء قوية عالمية و محلية كان من نصيب الشيخ محمد المنجد و الذي تناول في  برنامجه الأسبوعي في التلفزيون السعودي حكم الشريعة في الفأر كحيوان ضار يجب التخلص منه و قتله، و حديث الشيخ و إن لم يكن موضوعا مطروقا أو معتادا في الخطاب الديني الإعلامي إلا أن لا شيء عليه فالجميع متفق على ضرر القوارض و الفئران و ضرورة تنظيف أماكن السكن و الطعام منها، ولكن المقطع الذي أثارردود الأفعال القوية هو استنكار الشيخ للمكانة الهامة للفأر لدى الأطفال بعد مشاهدتهم للشخصيات الكرتونية الشهيرة ميكي ماوس و جيري بالرغم من الحكم الشرعي بوجوب قتله في الحل و الحرم، هذا الربط العجيب بين نظرة الشرع للفأر ككائن حقيقي و بين استخدامه من الإعلام الغربي كشخصية كرتونية أثار بالطبع وسائل الإعلام الأوربية و الأمريكية و التي تناولت بكثير من السخرية و الاستنكار حديث الشيخ و ربطته للأسف بالإسلام والسعودية، فظهرت عناوين الأخبار على شكل “شيخ سعودي يرى وجوب قتل ميكي ماوس”، أو ” شيخ سعودي لا يحب ميكي ماوس” و ما إلى ذلك، والفأر لا يمثل أولى مصادمات الشيخ مع الإعلام الغربي، فللشيخ بيان سابق يستنكر فيه البطولات الأولمبية و يصفها بمباريات العري بسبب طبيعة ملابس اللاعبات فيها، و الخطأ الذي وقع الشيخ فيه مرارا هو التقليل من قيم و رموز الثقافة الغربية و اعتقاد الشيخ بأنها موجهة ضد أطفالنا أو ضدنا في وقت توضع فيه رموزنا و ثقافتنا الدينية تحت المجهر و تعلو فيه أصواتنا للغرب بالمطالبات باحترام رموزنا و التعريف بأهمية ثقافتنا، و هو خطأ لا ينبغي لمثل الشيخ المنجد سواء لمكانته كشيخ متمرس في الخطب و الإلقاء و كسب اهتمام المستمعين أو لعمله كرجل سياسة سابق في العاصمة الأمريكية في واشنطن، وبالرغم من أن الشيخ عاد و قدم بيانا إلحاقيا باللغة الإنجليزية موجه للإعلام الغربي لتوضيح مقصده من الحديث التلفزيوني و بأنه ليس فتوى لقتل ميكي ماوس كما رددتها وسائل الإعلام الغربية و لكن مجرد رأي ديني في التعامل مع الفأركحيوان مؤذي، إلا أن الأذى كان قد تحقق بالفعل فلم يخفف البيان بالرغم من تحميله اللوم على لبس في الترجمة من أثر الحديث، و أزمة الفأر هذه تكشف عن نقاط هامة في الخطاب الديني الحالي، فهي أولا تكشف عدم تقدير الشيوخ و الأئمة لدرجة الاهتمام العالمي بخطابنا الديني و فحواه، مما يقلل من مراعاة الكياسة في احترام ثقافة الآخرين و من أهمية ترويج المباديء الدينية و المعتقدات بلا ذم و تقليل من الثقافات الأخرى، و هي أيضا تكشف مبالغة الخطاب الديني في الحذر و الحيطة من أمور غير أساسية و لا هامة كشخصيات الكرتون مثلا فقط لكونها منتج غربي، فالأولى بالحذر من قضية الفأر هو ما نشاهده على أرض الواقع من ممارسات محلية سقيمة في التفحيط و المخدرات و المسكرات و غير ذلك، فخطر الشخصيات الكرتونية مهما تعاظم لا يصل إلى خطر الانحراف الأخلاقي و السلوكي الذي هو أولى بمتابعته من شيوخنا و علمائنا، و قد كان هذا هو المأخذ الأساسي لمن استنكر على الشيخ الخوض في مثل هذه التشبيهات و الأمور الغير مجدية، فجميعنا شاهدنا الفأر كشخصية كرتونية كما شاهدنا حيوانات أخرى و لم يجعلنا ذلك نترك الفئران تعمر بيوتنا و تغزو آنيتنا و أطعمتنا،  و تثبيت الهوية الدينية لدى الأطفال يأتي ليس عن طريق ذم الثقافة الغربية بقدر ما يأتي بتحفيز المفاهيم الدينية و زيادة الوعي بها و تقديمها بأسلوب جذاب للصغار، وقد قرأت بكثير من التعجب بعض ردود الأفعال المحلية على أزمة الفأر و هي تستنكر أن يقوم منا قائم فيؤاخذ الشيخ بما ذكره و بأصداء تصريحاته وعلى الأخص على المسلمين في الخارج و يصف ذلك بتكميم أفواه العلماء، و لا أدري هل العلماء معصومون الآن عن النقد؟ رحم الله الإمام الشافعي و الذي على غزارة علمه قد أقر مبدأ الفقه الديني كعلم بشري يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ فقال “رأينا صواب يحتمل الخطأ و رأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب”، علماؤنا اليوم هم أولى الناس بالتقويم و التصويب ليس فقط لقوة تأثير خطابهم على العامة لدينا، و لكن لأنهم مرآة الإسلام و مصدرا هاما للحكم عليه من غير المسلمين فهم لذلك أولى من غيرهم بالمراجعة و التدقيق، و لسنا بعيدين عن فتاوي القتل و التكفير سواء لملاك الفضائيات أو غيرهم، و أتساءل كيف تحول الخطاب الديني الذي يفترض فيه الحكمة و الموعظة الحسنة إلى التهديد و الوعيد و كيف تتردد فيه عبارات القتل و أحكامه سواء للفئران أو للبشر، وهل هو مرادف ما لحالة الإحباط العامة التي يعانيها المسلمون اليوم؟ … أمر مخجل أن لا نملك سوى القيم الإسلامية لنقدمها للعالم ومع ذلك يعجزنا عن إبراز ذلك رداءة أسلوب الخطاب الذي نختاره و التطرف في الطرح و القصور في الرؤية، و من المفارقات أن تأتي أزمة الفأر هذه الأيام بينما يتبارى العالم بإعلان أسماء و جنسيات الفائزين بجوائز نوبل في مجالات العلوم و الطب و الهندسة و الأدب و السياسة ممن أثروا الحياة الإنسانية على كل الأصعدة بينما نخرج نحن بمزيد من المصادمات مع العالم و نصدر ثقافة لا تنتج شيئا سوى المزيد من الفرقة و الفتن…


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s