أرض الهجرة


قرر دانيال المسلم الأمريكي الجديد أن يأخذ زوجته و أطفاله الثلاثة إلى الصومال و التي سمع أن بها حكومة إسلامية جديدة، باع وزوجته أثاثهما القليل و تبرعا بقدر كبير للمعوزين قبل شد الرحال إلى الأرض الجديدة، بالرغم من الرحلة الشاقة و قضاء ثلاثة أيام كاملة في مطار دبي خوفا من الفتنة وصلت العائلة أخيرا إلى مقصدها، و بالطبع حاصرت الحروب و المطاردات العائلة مما اضطر الرجال للرحيل بعيدا عن النساء و الأطفال، بعد ثلاثة أيام من الضياع في الأدغال تم القبض على دانيال و حجزه، في الحجز اكتشف عن طريق من سبقه وفاة زوجته أثناء رحلة الهرب متأثرة بالحمى و الملاريا، ودفنها كالشهداء بلا أي غسل أو كفن لإتمام رحلة الهرب، اكتشف أيضا أن طفلتيه بقيتا وحدهما مع امرأة أخرى بينما هرب ولده أثناء الرحلة خوفا في الأحراش، قضى دانيال لياليه في حجزه مصليا و داعيا الله ليعيد له أولاده، وهو ما تحقق له أخيرا عند عثور السلطات عليهم و ترحيلهم جميعا للولايات المتحدة، يقضي دانيال الآن حكما بالسجن لعشرة سنوات بتهمة التدرب مع جماعات مسلحة بينما يمكث أطفاله مع والديه، قصة دانيال التي تروجها بتفاصيلها المكتوبة بخط يده من حجزه الانفرادي الجماعات المسلمة هنا ترسم بين سطورها الكثير من لمحات التاريخ الإسلامي في بدايته، فهناك  الهجرة التي شبه بها دانيال رحلته وزوجته مع الجماعة المسلمة التي ينتمي إليها، و هناك الأحلام التي تدله على طريق الصواب و تكشف له الأقدار و الغيب، و هناك الابتلاءات العظيمة التي تجعله أكثر إيمانا و صبرا و احتسابا، و ذكر الله و مقدار الإيمان الذي يأتي في كل جملة مكتوبة، قراءة دانيال تعكس مقدار الحماس الذي يحمله و زوجته المتوفية للإسلام، دانيال ابن الثامنة و العشرين وجد نفسه مناضلا لهدف أوصله لزنزانة أمريكية منفردة لا يرى منها ضوء الشمس و لا غيره من البشر لأكثر من ساعة في اليوم، وحيدا محروما من أسرة قتلت فيها الأم وتشتت فيها الأطفال، يختتم دانيال قصته المكتوبة بالعبارة الشهيرة لشيخ الإسلام ابن تيمية أثناء سجنه ” إن قتل كانت لي شهادة و إن نفوني كانت لي هجرة و إن حبسوني كان لي معبدا” في تأكيد لتأثره الكبير بمباديء التضحية و الكفاح في سبيل الله، على أن قارئا مثلي ربما يتوقف أكثر من مرة عند مثل تلك القصة، و أهم سبب أوقفني هو لماذا؟… لماذا انضم دانيال إلى جماعة ما و ما الذي انطوى عليه فكر الجماعة و توجهها حتى يدفعه للرحيل إلى الصومال التي عركتها المآزق السياسية و المجاعات و الاضطرابات في كل نواح الحياة، و كيف لم يحتاط بأقل قدر من الحذر فيتناول و أسرته تطعيمات الأمراض الوبائية المتعارف عليها في تلك المناطق؟ قصة دانيال تفتقد لأهم تفصيل، ماهو دافعه؟… ربما كان دانيال كغيره من البسطاء يبحث في الصومال المتنازع عليها عن الخلافة الراشدة و أمير المؤمنين الذي سيقيم دولة العدل و  يهدم دولة الباطل، و ربما كان أيضا وبدون أن يشعر عضوا مضللا في جماعة غير معروف أهدافها، وهو يسجل في قصته مسامحته لصديق كفاحه الذي وشى به تحت ظروف الاعتقال، ليس دانيال الأول أو الأخير في رحلته المؤلمة، الجماعات الدينية و التي تخدم أهدافا سياسية ما و تسعى في ذلك لتجنيد الضعفاء و تحميلهم عبء رحلة غير مأمونة العواقب في حلم مجنون بالسيطرة أمر متكرر في أديان و فلسفات عديدة و ليس تحت لواء الإسلام فقط، ربما كان دافعه الإحباط الذي قد يشعر به الضعفاء تجاه واقعهم، حيث تختفي هشاشة الهدف خلف بطولات تاريخية و عبارات جذابة قوية، تستنفر همما ساذجة حالمة بعالم خيالي لم يوجد و لن يوجد على هذه الأرض، فتترك الحالمين معلقين بفكرة العالم العادل الفاضل أو السعي للشهادة بحثا عنه و الانتقال إلى جنات و نعيم، و قد قسم الباحثون في تكون الجماعات المتطرفة الأهداف التي تجذب بها المنتسبين إليها إلى ثلاثة أهداف أساسية هدف فكري أو فلسفي مثل سبب ما لوجود الإنسان أو هدف ما للحياة، ثانيا سبب سياسي كالحمية القومية و الدفاع عن الجماعة، و ثالثا هدف شخصي كنيل الشهادة مثلا أو التميز عن الآخرين بلا هدف،  الكثيرون ماتوا أو قتلوا أو سجنوا لغايات لم تخدم أهدافهم أو مصالحهم و انتهى كفاحهم صفحة في تقرير حكومي و إرثا ثقيلا يطارد أفراد عائلتهم و معارفهم، يعود المناضلون بحثا عن قضية في الغالب خائبين تستقر بهم مطافهم في ركن ما في منازل من تبقى من أسرهم، تستمر الحياة بغيرهم و تتركهم وحدهم هكذا يتساءلون عن جدوى ما سعوا إليه يوما و هل تركوا أي أثر لمن بعدهم، مثل دانيال يعيش في أوطاننا الكثير، عاد أبو محمد الأردني إلى قريته بعد أعوام قضاها مع جماعة التبليغ باحثا عن جمهور ما ليبلغه في أصقاع البلاد، تاركا خلفه بناته و أولاده يصارعون الحياة بمعرفتهم، عاد فوجد الأطفال كبروا و الأم شاخت، لم يعرفوه و لم يعرفهم للوهلة الأولى و عاش بينهم ولا يزال غريبا كما لو أنه مازال يسعى في الأصقاع، لا يعمل أبو محمد فالحياة التي عاد إليها لا تحتاج إلى الحالمين و أصحاب الخطب المفوهة و قد يمنحه إمام المسجد وقتا في خطبة الجمعة حتى يفي بحق الجار، و بالرغم من أنه لا يتواصل كثيرا مع من حوله إلا أنه يحمد الله سرا على نجاته من السجن الذي حجب الكثيرين ممن ذهبوا معه، دانيال و أبو محمد و غيرهم من الحالمين ممن فقدوا المغزى أثناء الطريق أو ممن فقدوا أرواحهم

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s