لماذا تطول الحروب؟

تثير أخبار الخروج الوشيك للقوات الأمريكية من العراق الكثير من التنبؤات و التخمينات حول توقيت و مدة الحرب كما دوافعها، و في مقالة استثنائية منشورة مؤخرا في مجلة السياسة الخارجية يطرح ستيفن والت رؤيته الخاصة حول صعوبة إنهاء الحروب التي تدخلها الدول العظمى كقرارات اختيارية و استراتيجية، يقر الكاتب أن الدول الكبرى التي تتورط في حروب مع دول أخرى تواجه واحدا من خيارين، إما أن تنتهي الحرب بسرعة و بأقل قدر من الخسائر بنجاح الطرف الأقوى في حال كون الحرب خيارا صائبا  يصب في مصلحة مباشرة له، أما في حال كون الخيار السياسي للحرب خيارا خاطئا فإن الحرب عادة ما تستمر باستنزاف كبير للقوى الكبرى، حيث تستمر الحاجة لبناء الأنظمة الأساسية التي تدعم بقاء الدولة المهزومة الضعيفة في حالة من الأمن و الاستقرار السياسي التي تتطلب فهما خاصا لنظام الدولة المهزومة ربما لا يتوفر للدولة العظمى، الخروج من رمال متحركة كما في حروب أمريكا مع العراق و أفغانستان ليس بسهولة الدخول في الحروب بداية، و يبني الكاتب على ذلك أن الحروب تستمر في العادة أطول كثيرا من الوقت الذي تتوقعه القيادات السياسية لها للعديد من الأسباب بالرغم من استنزافها المادي و الإنساني لهذه الدول، و لخص ستيفن والت هذه السباب في عشرة عوامل رئيسية تستنزف الدول العظمى في الحروب المختارة، العامل الأول هو تورط القوى السياسية في رؤيتها لخيار الحرب و أهمية استمرارها، حتى ولو أثبتت الاستمرارية في الحرب المزيد من الخسائر للطرف المنتصر، ثانيا غموض المعلومات حول الحاجة إلى استمرار الحرب، كما في حالة تجاهل التحسنات الإيجابية في الوضع العام للدولة بعد الحرب مما لا يستدعي استمرارها، ثالثا هناك نظرية عدم تضييع الأموال و الدماء المهدورة لتحقيق النصر، فيصبح عندها الانسحاب السريع مجرد إشارة إلى الاستهتار بكمية الأموال و الدماء المبذولة بدلا من خيار استراتيجي فعال، رابعا هناك عدم قدرة القادة السياسيين في الأغلب على الإقرار بالخطأ حتى لا يخسروا مصداقيتهم و شعبيتهم السياسية، خامسا هناك القاعدة العامة التي تنص على أن الأشخاص و العقليات المتسببة في الدخول في الحرب لا يمكن لها أن تخرج الدول منها، سادسا هناك الاعتقاد بأن القوى العظمى و القوية قادرة على تمويل الحروب و الاستمرار فيها، أو قادرة على الخروج بخطط استثنائية و حلول خلاقة لتمويل الحرب و تدعيم بقاءها، سابعا تبدو الحرب على الأغلب عملية عسكرية و ليست مدنية و العقلية العسكرية تدعم في العادة الاستمرار في الحرب بتسخير المزيد من القوات و التكنولوجيا بأي ثمن و لا تؤمن بالانسحاب أو تقليل الخسائر لأنها تعني فشل السلطة العسكرية في تحقيق الانتصار، ثامنا لا يعلم القادة و المسؤولون في الأعلى في العادة مدى سوء الوضع كما هو عليه، و في نظري هذه أهم نقطة بالفعل في تفسير صعوبة الخروج من وضع بائس، فوسائل الاتصال المعتادة بين الأعلى و الأسفل تنقحها رغبات تحسين الصورة لدى عموم الشعب أو تدعيم الثقة بالمسؤولين في مختلف المستويات بنقل صورة براقة تخالف حقيقة الواقع، تاسعا تحرص القوى العظمى على الاستمرار في الحروب خوفا من تحطيم السمعة العامة للدولة و لدرء إسقاط الثقة عنها، عاشرا الإحساس بالوطنية و الفخر غالبا ما يقف حجر عثرة أمام تقبل فكرة الانسحاب و الخسارة و بالأخص عندما ينطوي تاريخ الدولة على انتصارات لامعة و تملك حاضرا قويا و متفوقا بالإمكانيات كافة… في تأمل تلك الأسباب في حرب أمريكا مع العراق مثلا يمكن لنا بوضوح ان نرى كيف يمكن للقوة ان تعمي أصحابها عن الواقع، كيف يمكن أن يغدو المنتصر مهزوما تفلسه قرارات غير مدروسة تخلو بها خزائن بلاده من كل مدخراتها و يلجأ للاقتراض من مكاسب و مدخرات الأجيال القادمة لتصحيح مآزقه، الإدارة الحالية للولايا المتحدة التي أدركت عمق الحفرة العميقة التي سقطت فيها بلادها أقرت الحل بعيدا عن العقول التي صنعت المشكلة من الأساس في الإدارة السابقة، المعلومات التي ظهرت للرأي العام العالمي و للإعلام و للشعب الأمريكي أتت من مصادر مباشرة و ليست من المصادر الرسمية، أثر القمع العسكري للمحتل مثلا في فضيحة سجن أبوغريب مثلا نقلتها كاميرا شخصية بطريقة غير مباشرة حتى وصلت لصانعي القرار، احتاجت المعلومات على حقيقتها و مباشرتها وصدقها أن تتخطى كافة تدرجات السلطة الرسمية و تنفذ للعلن حتى يدرك صانعو القرار الواقع الحقيقي و ليس الجذاب و المرسوم بالكاميرات الرسمية، النظام السياسي الأمريكي الذي يعتمد على إثبات حرفية و مهارة القائد السياسي و موظفيه في وقت قصير كان أيضا عاملا هاما في إنهاء الحرب، حتى الآن يروج حزب التي بارتي الأمريكي و الجمهوريون لنجاحهم في خيار حرب العراق بالرغم من كل ما جلبته من ويلات للمنطقة و من استنزاف للشعب الأمريكي في القوات و الأموال،  سمعة المرشحين و التي ترتبط بالصواب الدائم في القرار السياسي -بالرغم من استحالة ذلك على أرض الواقع- هي الورقة الأهم للعب في انتخابات لا يوجد مثيل لها من حيث شراسة التنافس و قوة النقد العام للمرشحين، يجعل ذلك من الاعتراف بالخطأ مصدرا للضعف و الإسقاط لن يغامر معه أي مرشح بالاعتراف به مهما كان صائبا، و حتى الآن تأتي مناقشة موضوع حرب العراق متوازية و متشابكة مع أحداث هجوم الحادي عشر من سبتمبر بالرغم من عدم ارتباط الموضوعين معا، تغذي فكرة ارتباطهما معا الشعور القومي لدى الأمريكيين بشرعية قرار الحرب و حتمية العمل على نشر الديمقراطية و اجتثاث الأصولية من العراق و الذي للمفارقة لم يدع أبدا للتطرف الإسلامي بأي شكل، لا يمكن لنا سوى أن نتفق مع ماذهب إليه الكاتب و المحلل السياسي، الحرب الآن لا تبدو نصرا أمريكيا بل ورطة للطرفين، مشهد الاجئين العراقيين في الأردن وهم يتسلمون “عيديتهم” الضئيلة من حكومتهم العراقية الجديدة في فوضى و تزاحم مثير للأسى على قنوات الأخبار هو أبلغ ما يمكن أن يعبر عن نتيجة هذه الحرب و تبعاتها، بعد سبعة سنوات ونصف عانى فيها كلا من الشعبين و كل من تدخل في هذه الحرب، بعد سبعة سنوات ونصف لم يعد لهذا النصر أي معنى، الحرب في النهاية تجعلنا ندرك ما أدركه إبراهام لنكولن “لا يوجد أي نبل في القتل، ولا أي لطف في التدمير، لا يوجد أي خير في الحرب سوى في إنهائها”…


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s