عندما تأخذ الشغالة إجازة

ما الذي يمكن أن يحدث إذا اختفت الشغالة فجأة من حياتنا؟ اليوم اكتشفت إجابة لهذا السؤال، العمل المشترك مع عائلتك يخلق فرصا أكبر للتعامل والحديث، يصبح وسيلة للمعرفة أفضل من العيش المشترك، اليوم عرفت والدي أكثر، لا يجب أن أناقشه في الاعتقادات، سواء في الأديان أو القناعات الغذائية، منذ تقاعده وهو المسؤول عن المطبخ، لسبب ما و في توقيت لا يعرفه أحد منا على وجه الدقة أصبح المطبخ من مسؤولياته، يجعل أيامه متجددة و ذات هدف، يوما بعد يوم استطاع أن يخلق توليفة من الأطعمة و الوصفات تناسب كل يوم من أيام الأسبوع تتنوع بين الوجبات البحرية و التقليدية و الحديثة، هناك أيام يخرق فيها نظام الوصفات أيضا بلا سبب، هكذا نشأت طقوس و تقاليد في المطبخ، ومعه نشأت معرفته بأفضل  الأوقات و الأماكن لشراء المكونات المطلوبة للوصفات و تعديلات الوصفات بحسب جنسية المطبخ، الفتة المصرية مثلا مختلفة عن الشامية،  في العادة لا أحد  يقدر مواهب والدي في الطبخ سوى أمي و أخي بعض الوقت و سواه هو معظم الوقت لأن البيت خال من الناس في معظم الأحوال، اليوم أخذت الشغالة إجازة، تذكرت ذلك في الساعة الحادية عشرة صباحا، كنت متأخرة في اللحاق بوالدي في المطبخ قبل صلاة الجمعة، قال عندما لحقت به”لا مشكلة أنهيت الطبخ لا يبقى سوى تحضير المائدة بعد الصلاة”، شاهدت القدور جاهزة و مغطاة، ماهي المنيو اليوم؟ سليق!! اصريت أن أجهز الصلصة الحارة على الأقل، باهتمام بالغ وبعد تردد أعطاني المكونات طماطم مقطعة فلفل أحمر ماء بحسب الحاجة ثوم ملح ليمون صلصة طماطم، “ضعيها في الخلاط اليدوي”، “لماذا ليس الخلاط الكهربائي؟”… “أحسن تطلع”، الآن البحث عن الخلاط وجدت قطعة و لم أجد الباقي، بحث معي حتى وجده أخيرا، “أنا بروح الصلاة الحين و تذكري قوام الصلصة يكون مناسب”، بعد وعود بالاهتمام الأقصى ذهب أخيرا، أصارع النعاس بعد ليلة و يوم من السهر لكن لامشكلة كلها نصف ساعة أو ساعة على الأكثر، و أنا أجهز الصلصة الحارة قاومت رغبتي بإضافة الأعشاب المنكهة، هكذا أحب الطعام مليئا بالرائحة الطيبة، لكني سأخالف بذلك وصيته، عاد والدي أخيرا، و دخل المطبخ من فوره، “خير؟” سألته؟ …”لا بس الحين نبدأ نسوي السليق!”… هه؟ “أليس جاهزا؟”… “بلى يبقى إضافة الرز لا يمكن تحضيره سوى مباشرة قبل الأكل”، لا بأس، ساعتين بدلا من ساعة، كتمت غيظي “لو كنت أخبرتني كان طبخته و كان صار جاهزعندما تعود؟”… “لا  أفضل أسويه بنفسي، أشوف الصلصة؟”، كما توقعت لم تعجبه، “أضيفي ماء، ما قلت لك حطي كاسة؟”، “صحيح بس أنت قايل 3 حبات طماطم و صلصة، لازم تطلع ثقيلة”، لا زال معترضا: “و بعدين كثير جدا سويتي؟”، عدلت في الصلصة حتى أعجبته… جلس مقابلي على المائدة في انتظار نضوج الرز و قبل إضافة الحليب، “بتاكلي معنا ولا لأ كالعادة؟” بشك أجبته” مسوي السليق بشوربة لحم أو دجاج؟”…” شوربة دجاج بلى”  …”إذن لن آكله”… فاتحة للنقاش اليومي المعتاد حول نظامي الغذائي و لماذا اخترت أن أكون نباتية، “الله يقول كلوا من طيبات ما رزقناكم؟”  “صحيح بس أنا كمان باكل من الطيبات مو لازم اللحم ولا الدجاج” مصرا: “بس هذا مو صحي؟”، مصرة: ” بالعكس تعرف فيه أجيال كاملة عايشة على الغذاء النباتي؟” مشككا: “وينهم فيه؟” مؤكدة:” في الهند؟”، مصرا: ” لا كلام فاضي تلاقيهم ياكلوا أي شي”، مؤكدة بشدة:”لا صحيح كان معي طبيبة هندية تاكل غذاء نباتي طول عمرها و صحتها ممتازة”، كي أنهي النقاش حول طعامي ذكرت له معلومة “هل تعرف لم يحرق الهندوس أجساد موتاهم؟ حتى يتأكدوا من تكسر الجمجمة فور موتهم، بذلك لا تحل الروح بذكرياتها السابقة في الجسد الجديد فيتوه في عالمه الجديد ولا يستطيع الفكاك من حياته السابقة، يؤمنون بتناسخ الأرواح حتى يصلوا للنرفانا وهو أعلى سمو للروح فلا تعود الروح للتناسخ” متأخرة أدركت خطئي، انطلق والدي يسألني كيف أعتقد بهالأمور؟ تمالكت حماسي الذي انطلق و أجبت بهدوء:”مو أنا هذا الهندوس؟” مصرا مرة ثانية: ” بس كان لازم توضحي لصاحبتك أن الأرواح ما تتناسخ؟” لا زلت أخطيء: “يعني لو إنت انولدت في الهند كان أنكرت التناسخ؟” بكل ثقة:”طبعا”، بكل إصرار غبي:” طيب ما عندك فضول تعرف عن الحضارات و الأديان الثانية؟” ” لأ!”، ” طيب خلينا في السليق”… “انتبهي! لا يصير جامد لازم تبقى فيه سيولة، بعدين شغلي الفرن على الدجاج؟” هه؟ “اعتقدت أني مشغلته لتحمير الدحاج منذ عشرة دقايق؟” “لأ مو شغال، لازم ينور، الفيش خربان يبي له تحريك” … الآن أضيفي الحليب، قلبيه زين”، “ليش ما تروح ترتاح في المجلس و بعلمك لما أخلص؟” بعد تردد و توصيات خرج أخيرا” انشغلت بعدها بتأمل” قطة سوداء غافية على شجرة خارج النافذة، هكذا مستكينة و غير عابئة بالحر و لا الشمس ما أجمل الانتقال الاختياري إلى عالمنا الخاص بغض النظر عن المؤثرات المحيطة، جاء وقت تحضير المائدة و البحث عن الأدوات و المفارش… لماذا تتغير أماكن كل شيء مع قدوم كل شغالة؟… لحظات و يعود والدي  للمطبخ…”خير؟”،  “لا مافيه شي بس أمك ما تاكل سليق طلعي لها مكرونة و شوربة من الثلاجة”، أستطيع أن أقرأ على وجهه الامتعاض، أكيد محبط فلن يأكل هذا السليق المتعوب عليه في النهاية سواه، بعد تجهيز كل شيء أخرجت الدجاجة بصحنها من الفرن، حملتها للطاولة “لأ لا تحضريها كلها، فقط جزء لي و الباقي جانبا”، عملية بغيضة، تقطيع الدجاجة المحروقة المهترئة أصلا من السلق، بغض النظر عن موقفي من الدجاج البلدي الكريه الرائحة اضطررت آسفة لتقطيعها، انتهيت و أمامي ستة قطع بشكل غير مقصود، قصدت أن تكون هناك أربعة قطع فقط، هناك الآن فخذين مختلفين الحجم و الشكل و صدرين متعلق بأحدهما رقبة الكائن البائسة و الجلد المتجعد المحروق متناثرا حولها ممتدا حول أجزاء و منحسرا عن أخرى، هناك نصف هيكل عظمي و جناح منفصل، للحظ لم يهتم والدي بالفوضى و وضع قطعة في صحنه، ما اجمل أن نطعم الجائعين فكم يستر الجوع ملامح الفشل، بقيت السفرة، أين تضعها الشغالة؟ بعد البحث في كل المخابيء الممكنة لم أجدها، اضطررت لسؤال والدي مع الأسف، “حطيها بصواني” أماكن الأواني و الأدوات خارج اختصاصه، في النهاية تم إعداد السفرة بنجاح، ليس هناك إذن سوى انتظار نهاية الغذاء و تنظيف الفوضى العارمة من عملية إنتاج السليق، لكنه يعود مرة أخرى للمطبخ :غلط” ماذا؟” “السليق جمد”، لن تنتهي هذه الغدوة بهدوء “ما هو المطلوب لتصليحه” “اسكبي عليه ماء زيادة” سكبت و سكبت حتى حاز على رضاه، حمل صحنه عائدا و تنفست الصعداء، دائما ما تثير حفيظتي كمية الجهد المبذولة في وصفة يتم التهامها في دقائق و بالأخص مع والدي، كمية الفوضى التي ينتجها لعمل وصفة واحدة تستعصي على الفهم، لا مانع مثلا من هذا الجهد من وقت لآخر و لكن أن يصبح روتين يومي فهذا مؤلم لي على الأقل، انتهى الغذاء و لم يبق سوى التنظيف، المفارقة أن أحدا لم يأكل شيء، عاد صحن والدي شبه ممتلئ، و أنا أعيد كل شيء لمكانه تذكرت القطة، بعد نظرة متأملة في اتجاهها اكتشفت أنها لم تكن قطة من الأصل، مجرد كيس أسود تكوم على شكلها بين فروع الشجرة!!… بالطبع ماذا اعتقدت؟ من المستحيل أن يكون هناك كائن حي بهذه الاستكانة و لكل هذا الوقت تحت هذه الحرارة القاتلة و الصهد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s