مفاجآت سياسية

في مقالته الأخيرة في «نيويورك تايمز» يحتفي توماس فريدمان بعنصر المفاجأة الذي اتبعه نيلسون مانديلا فور تقلده الحكم في دولة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، قدر نيلسون مانديلا أن أفضل ما يمكن تقديمه كرؤية لجنوب أفريقيا لا تعاني من الفصل العنصري هو في تشجيع فريق رياضي كامل للرجبي من البيض لإتمام مهمتهم من دون أن يفرض عليهم إدخال رياضيين سود أو تغيير أعلام وألوان اللعبة لتتماشى مع العصر الجديد، رسالته في ذلك العمل كانت في تبني نيلسون مانديلا لمصلحة الشعب وليس لتنفيذ أجندة تشفٍ وإعادة اعتبار لكل السود، بهذا العمل فاجأ مانديلا البيض باعتبارهم جزءاً من نسيج الشعب الجديد يستحق أن يعامل بتكريم وبضبط نفس على رغم ما عاناه مواطنوهم السود.

محلياً كانت هناك مناسبتان تثبتان أهمية المفاجأة السياسية في تمهيد الطريق المجتمعي بلا أي مجهود يذكر، في تعيين نائبة وزير التعليم نورة الفايز مثلاً كان القرار السياسي سباقاً في إشراك المرأة كمبدأ ولو لم يكن عاماً ولم تواجه الوزيرة الجديدة أي معارضة تذكر بل باشرت مهامها الوظيفية بهدوء نسبي ومتابعة عالمية إيجابية.

أما في المناسبة الأخرى فقد سبقت الإرادة الاجتماعية القرار السياسي في وقت كانت الفرصة فيه سانحة لمفاجأة سياسية من طراز فريد، أخيراً قامت منظمات عالمية بحشد الجهود لتوجيه أنظار اللجنة الأولمبية العالمية لممارسات التمييز ضد مشاركة النساء في المملكة، وسعت هذه المنظمات لتنظيم حملات عالمية لإثبات مخالفة المملكة لشروط المشاركة الرياضية في الألعاب الأولمبية، سعياً لتغيير سياسات التمييز الجنسي ضد المرأة ولمنع مشاركة المملكة في أولمبياد العام 2012.

وفي سابقة غير متوقعة شاركت الفارسة دلما محسن بجهود ذاتية وتأهيل أسري خاص في مسابقة الفروسية في سنغافورة أخيراً، مشاركة الفارسة كانت بمعزل عن الدعم الحكومي الرسمي لبقية الرياضيين وباستقلال عن طلب اللجنة الأولمبية أخيراً لمشاركة نسائية واحدة على الأقل من كل الدول المشاركة في أولمبياد الشباب، فازت الفارسة الوحيدة والأولى من المملكة بالميدالية البرونزية، واستحقت الصفحات الأولى في المطبوعات الرئيسة، كما استحقت ذلك السبق التاريخي، على أنها لم تستحق التصريح الذي أصدره أمين اللجنة الأولمبية السعودية حين صرح بأن مشاركتها تأتي بصفة شخصية، وأنها لم تكن ضمن الوفد الرسمي، وكان يهدف لإزالة سوء الفهم الذي التصق باسم دلما كأول رياضية سعودية بكونه عائداً لظهور اسمها في كشوف اللجنة الأولمبية وليس في البعثة الرسمية السعودية، ليته لم يُزِل سوء الفهم وليته ترك المكانة التي وصلت إليها الفارسة الشابة واللقب الذي نالته عن جدارة وبجهد ذاتي خاص وفريد يزين اسم المملكة وسمعتها، ويقف شاهد إثبات على تقديم المصلحة العامة للوطن بدلاً من تقديم الأجندة الآنية لإرضاء جهات متشددة لا تخدم أي مصلحة للوطن.

كان إشراك الفارسة الشابة ودعمها بالرعاية نفسها التي نالها الوفد الرياضي السعودي فرصة ذهبية لمفاجأة سياسية فريدة في وقت نحتاج فيه إلى تقديم صورة متسامحة وداعمة لكل أبناء وبنات الوطن تعكس نسيجنا الحقيقي، هذه المفاجأة السياسية هنا ليست الوحيدة التي نتوقعها في مجتمع تتشابك خيوط التقاليد والعرف والتشريعات الدينية والسياسية في حبك نسيج يصعب معه اللحاق بالمدنية بصورها الإنسانية كافة وليست المادية، هنا المزيد من المفاجآت السياسية أكثر من مرغوبة، المجتمع هنا يحترم النظام القبلي والأبوي، ويبحث عن مفاجآت سياسية ترفعه، المفاجآت التي تعلو فوق نشاز الغرابة والعنف والتراجع الفكري تحت مسمى التقاليد والدين، المفاجآت التي تضع مصلحة أفرادنا كلهم، نساء ورجالاً، بلا تمييز.

يعتقد توماس فريدمان بأن الحوار الداخلي بين المسلمين في الشرق الأوسط أهم وأكثر فائدة من حوارهم مع الغرب، وهو بالتأكيد ما نتطلع إليه، أجواء آمنة نفهم فيها تناقضاتنا ولم يحارب بعضنا بعضاً، لم نتوقف ضد المرأة في مجالات الرياضة والإعلام والمشاركة الوزارية والسياسية وفي مجال الأعمال، الطريق هنا مازال طويلاً حتى يتم إقرار تشريعات وسياسات تخدم مصلحة الجميع بلا تمييز في ظل الروتين الحالي في إقرار الأنظمة والتشريعات.

ويبدو خيار المفاجأة السياسية بإصدار قرارات ريادية تزيل التمييز وتصنع عالماً أفضل لمجتمعنا الأسرع قبولاً وتأثيراً هنا، الرغبة السياسية في مواقف عدة خدمت التقدم المرغوب وأزالت عوارض الخوف المجتمعي هنا من دون مقاومة تذكر، جامعة كاوست مثلاً التي بدأت في تقنين التعليم العالي المختلط تقبلها المجتمع بلا أي معارضة حقيقية، الفسح الذي أقره وزير الإعلام أخيراً للإصدارات الفكرية لغازي القصيبي سجل به مفاجأة سياسية، ولو كانت متأخرة وبعد رحيله، لا يمنعنا شيء من توسيع دائرة الفسح لتشمل المزيد من الإصدارات الفكرية والمزيد من تشجيع وتنمية التوجهات المختلفة في الفكر والأدب.

لا نهاية للمجالات التي يمكن لنا فيها ترقب الفرص للمفاجآت السياسية الهادفة إلى إصلاح سريع في ظل عجز المؤسسات الحكومية الرسمية عن الوصول إلى تطلعاتنا المحلية، الأسباب كلها سواء الاقتصادية أو الاستراتيجية أو الاجتماعية يمكن تخطيها في حال توفر الإرادة السياسية، ما تم من سبق سعودي لنا سواء متعمداً، كما في تعيين نورة الفايز، أم غير متعمد كما في ظهور أول رياضية سعودية أولمبية، يمكن أن يستمر ليشمل المزيد من الريادة والتقدم، ثقة المجتمع هنا في صانع القرار السياسي تفوق خوفهم من التغيير وترددهم في تقبل الاختلاف وتمسكهم بالعرف على مساوئه، السبق الذي صنع وزيرة ناجحة وفارسة تحصد البرونز يمكن أن يشجع صانع القرار على المزيد من الثقة والدعم لبنات وأبناء هذا الوطن بالمزيد من المفاجآت السياسية السعيدة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s