كيف يؤذي التحيز الجنسي الرجال: و لماذا أهتم؟

تدوينة مترجمة بتصرف

عن مدونة جريتا كريستينا

تم نشر هذا المقال في مدونة بلوفيش

خصصت موضوع تدوينة البارحة لمناقشة كتاب سخيف يدعى “غير قابل للمواعدة”، وهذا الكتاب يعطي نصائح للرجال لزيادة جاذبيتهم أو من الأفضل أن أقول لزيادة قبولهم لدى النساء.  خصصت التدوينة لتوضيح كل الطرق التي يدعم فيها هذا الكتاب رؤية جامدة، ضيقة، لا يمكن تطبيقها للوصول إلى رجولة مقبولة، كيف يزرع بداخل الرجال القلق و الإحساس المتزايد بذكوريتهم بينما يحضّهم على الثقة بالنفس

اليوم أود أن أسأل سؤالا: لماذا أهتم بذلك؟

لماذا اهتم بالتحيز الجنسي و التصرفات المتوقعة من كل جنس في مرحلة مؤقتة من الثقافة العصرية المتداولة؟

و لماذا أهتم بكافة الأسباب التي تؤذي الرجال من هذا التحيز الجنسي؟ لماذا أهتم بكل الطرق الكريهة التي تؤذي فيها الذكورية المتزايدة النساء، لماذا أبذل وقتي في القلق على الأذى الذي يجلبه التحيز الجنسي للرجال؟

دعونا نتناول جزئية الثقافة العصرية المتداولة أولا بالبحث.  أهتم بكيفية تدعيم الثقافة المتداولة للتحيز الجنسي… لأن تلك هي أهم الوسائل في زرع مفهوم التحيز الجنسي.  الثقافة العصرية هي البحر الذي نسبح في أمواجه.  مشاهدة الأنماط المعروضة للنساء و الرجال على التلفزيون و الأفلام و الأغنيات العصرية و الدعايات و ألعاب الفيديو و غيرها… هذا جزء كبير من الرسالة التي يتشكل بها مفهوم الأنوثة و الذكورة في وعينا و ماهي التصرفات المتوقعة من كل منا بناء على جنسه.  يتم ضخ التحيز للجنس عبر ثقافتنا.  ليس الأمر و كأن هناك مكتب متخصص بالجنس مسؤول عن توزيع المفاهيم المتعلقة بكل جنس يمكن محاربته.  إذا كان لدينا مشكلة في كيفية تدعيم المفاهيم الخاصة بالذكورة و الأنوثة فعلينا التعاطي مع كل مقهوم منها على حدة.

و يبقى السؤال: لماذا أهتم من الأصل؟

التحيز الجنسي و تدعيم القيم الخاصة بكل جنس يؤذي النساء أكثر كثيرا مما يؤذي الرجال.  بداية من مشكلة المساواة الاقتصادية و حتى العنف الجسدي.  لماذا إذن أخصص تدوينتين كاملتين لتوضيح كيفية إيذاء التحيز الجنسي للرجال؟

السبب الأول هو الأكثر خصوصية و عمقا لي: بسبب الرجال في حياتي الخاصة.  أصدقائي الرجال، زملائي في العمل، أفراد أسرتي الذكور، أعضاء مجتمعي من الذكور، الذكور من معارفي على الانترنت.

أهتم لهؤلاء الناس و أشعر بالتعاطف معهم. لا أريد لهم أن يعانوا. أستطيع أن أرى كيف يمكن أن تؤذي هذه التوقعات المطلوبة من الذكور حياتهم: كيف تجعلهم يشعرون بالجنون، و تقلل من ثقتهم بأنفسهم، و تزيد من معدلات القلق لديهم و تجعلهم مهووسين بذواتهم، كيف تجعل علاقاتهم أصعب.  لا أحب ذلك و أريده أن يتوقف الآن رجاء.

و الأكثر من ذلك هناك أطفال ذكور في حياتي، و يقتلني أن أفكر بهم و هم يعانون من هذه الترهات أثناء نموهم و تشكلهم.  يقتلني ان افكر في تشارلي و تانر و تيج ووايت يكبرون مع هذا التكرار الكاسح للرسائل الجامدة، المتصيدة للأخطاء، ضيقة الأفق، الغير متعلقة بجوهر الذكورة، و الازدواجية في شرح معنى الرجولة.  إنه عبء غبي و غير هادف و لا أريد لأطفال عائلتي من الذكور أن يحملوه على اكتافهم ولا أن يحاولوا التخلص من هذا العبء بعد حمله فيما بعد.  فأن يتعلموا كيف يصبحوا اشخاصا جيدين هو صعب كفاية بدون الحاجة إلى هذا الهراء الإضافي حول الرجولة.

هناك سبب فكري أيضا. أشاهد كمية هائلة من عدم المساواة بين الجنسين في العالم، و أعارض هذا الوضع بكل عاطفتي و أعمل جاهدة على قلب ها الوضع.  ولكني لا أريد إصلاح وضع النساء المتدني بجعل الأوضاع أسوأ للرجال أيضا.  لا أريد ان اخلق مساواة عالمية بين الجنسين في جعل أوضاع الرجال بنفس سوء أوضاع النساء.  نعم، نحن نعيش في عالم تحاط فيه النساء بسياج عال من رؤية سيئة لمعنى الأنوثة، رؤية ضيقة الأفق، مزدوجة المعاني.  و لا أريد أن أحارب ذلك بإعادة توجيه العدسة و تركيزها على الرجال بدلا من النساء و مطالبتهم بنفس الرؤية الضيقة الغير منطقية للرجولة و التي لا يمكن الوصول إليها.  ليست هذه المساواة و لا العدالة التي أحارب لأجلها.

و اخيرا لدي مبدئي الذاتي الذي لا يتزحزح للاهتمام بتوضيح خطر التحيز الجنسي على الرجال، لأنه يساعد و يدعم الحركة النسوية و يخدم النساء.

جزئيا يساعد ذلك النساء لأنه يجعل تعاملهن مع الرجال أيسر.  ليس فقط في علاقاتهن الخاصة و العاطفية و لكن حتى على مستوى العائلة و الأصدقاء، و المجتمع ككل.

الرجال أيسر في التعامل معهم حين لا يكونوا مهووسين بإثبات رجولتهم طوال الوقت.  عندما لا يشعرون بالحاجة إلى التنافس و العضلات، عندما لا يخزّنون حملا من الصمت المستنكر بدلا من التصريح و الحديث عما يحتاجون للتعبير عنه، عندما لا يشعرون بالتهديد في التعامل مع امرأة قوية أو ذكية، عندما لا يشعرون بأن عليهم أن يكونوا هم المبادرين في علاقاتهم العاطفية و الحميمة، عندما يشعرون يبأنهم ستطيعون التعبير عن مشاعرهم  و يستطيعون أن يطلبوا المساعدة عند الحاجة بكل ثقة.  الرجال أسهل كثيرا في التعامل عندما يتوقفون عن القلق على ماهو متوقع منهم كذكور و يصرفوا جهدهم في التصرف كأشخاص جيدين.

الاهتمام بتوضيح أذى التحيز الجنسي مهم للنساء لأنه يخدمهن… لأنه يدعم القضية النسوية.  أؤمن بكل عواطفي بأن الحركة النسوية ستصبح أفضل كثيرا إن استطعنا ضم المزيد من الرجال لدعم أهدافها.  هناك حد تتوقف عنده دائما الجهود في دفع عجلة الحركة النسوية إن لم نستطع إقناع المزيد من الرجال بأن المساواة تخدمهم أيضا و توفر لهم مصلحة متبادلة.  الناس عادة يهتمون بمصالحهم الذاتية، تعاطفنا و بذلنا و اهتمامنا بالعدالة يبقى محدودا، و بالنسبة للكثير منا لانقوم التضحية بالكثير مما نملكه لنجعل العالم مكانا أفضل لغيرنا.

و لكن إن استطعنا إقناع المزيد من الرجال بأن التحيز الجنسي يضرهم أيضا، بأن النظام الأبوي التقليدي و تبني أدوار جامدة بتوقعات لا يمكن التنازل عنها يجعل حياتهم أكثر صعوبة، يعبث بعقولهم و يضرها، و يدمر علاقاتهم، و يضع عبئا غير مبرر و لا عادل على أكتافهم ، أن كلا من النساء و الرجال المتحررين من قيود التصرف الجامدة بحسب الجنس هم أفضل حالا و أكثر سعادة، سوف تصل الحركة النسوية إلى أبعد أهدافها….

وهذا الأمر جيد لنا جميعا….

ماذا تقول لنا قصة شرعا؟


عرض موقع إسلامي معروف على الشبكة الإلكترونية تعدادا دقيقا لإحصائيات العنف تجاه المرأة والطفل في الدول الغربية بالتفصيل بحسب طبيعة العنف (قتل، ضرب، اغتصاب) و بحسب البلد، وربما اعتقد من وضع هذا الموضوع أنه يقوم فيه بالترويج لفضائل الدين الإسلامي و المجتمعات الإسلامية بإبراز مدى العنف الذي يواجه المجتمعات الغربية، و لكن ربما فات عليه أن هناك من سيسأل إذا كان الغرب قد اهتم كل هذا الاهتمام و أخرج كل تلك الدراسات و التوصيات لرصد و متابعة و تحليل حالات العنف بكل هذه الدقة فهل يعني ذلك أن العنف بضاعة غربية؟ أم أنه يعني أننا و ببساطة لم نقدم جهدا مماثلا لرصد العنف في مجتمعاتنا؟… العنف لدينا ليس هو تلك الحوادث القليلة التي تبرز في وسائل الإعلام لدينا و تدعونا للتعجب من قسوتها و من إمكانية أن يحدث ذلك بيننا، و لكن العنف هنا يحميه تراث من ثقافة التربية بالتهديد و الضرب و التخويف و التحكم، و تعمل بكل جهد على تكميمه اعتقادات بالية بالحرص على السمعة و طاعة الولي و كلام الناس و تعريف العيب، و تعالج نتائجه قوانين و أحكام مؤلمة توزع العقوبة بالعدل على من يتعرض للعنف كما من يسومه، و لا توجد هنا ثقافة الوقاية خير من العلاج فلا زلنا نناقش الجدوى من الثقافة الجنسية في مناهجنا التربوية و هل يعتبر العنف لدينا ظاهرة أم لا و كأننا لن نقدم شيئا سوى إذا تحول إلى ظاهرة!!!… يبدو كل ذلك واضحا للغاية من متابعة قصة الطفلة شرعا التي عذبها والدها لسنوات حتى أفضى الضرب إلى موتها، و الداعي للتوقف في قصة الطفلة هو مدى الفشل في تعامل المؤسسات الرسمية و في محاولات المحيطين بالطفلة في وقف العنف على الطفلة بالرغم من ظهور كافة علاماته و آثاره على تصرفاتها، فشلت المدرسة ممثلة في معلمة الطفلة و المشرفة الاجتماعية و إدارة المدرسة في التعرف على ملامح العنف و اتخاذ الإجراءات اللازمة لحمايتها مبكرا كما فشلت محاولات الأهل المحيطين بالطفلة من حمايتها ممثلا في التسعة بلاغات التي تقدمت بها جدة الطفلة لنفس مركز الشرطة و التي لم يتم التفاعل معها كما يجب، كما فشلت الطفلة نفسها و أخيها في التعرف على وسيلة للوصول إلى مساعدة ما، الطفلة بداية كانت تظهر عليها كافة ملامح العنف مثل تدني المستوى الدراسي و العزلة و الخوف و الذي ظهر واضحا عليها في يومها الأخير بالمدرسة حيث رفضت و بكل شدة العودة للبيت، إلا أن أحدا في المدرسة لم يتخذ موقفا واضحا لمساعدتها بل قامت المدرسة بتسليمها لأبيها في آخر يوم في حياتها رغما عنها بدون اتخاذ أي احتياطات، وهناك الموقف من أخ الطفلة الذي شهد وفاة أخته و بقي وحده معها حتى وفاتها، هذا الطفل استجوبته الشرطة وأعادته للأب و لنفس المنزل حتى انتهاء الإجراءات القانونية و توجيه التهمة للأب قبل تسليمه بعدها بفترة لجدته والتي طالبت بالطفلين سابقا بلا أي نتيجة، كما توضح لنا قصة شرعا أن العنف يأتي في معظم الأحيان من الأهل و ممن يفترض بهم رعاية الشخص و حمايته، تتوزع هنا مسؤولية وفاة الطفلة بين أبيها و بين الشرطة التي لم تتخذ أي موقف لحمايتها و بين المدرسة التي لم تقدم أي دعم  أو جهد لبحث مشكلتها، قصة شرعا تتبدى فيها و بكل قسوة وحدة العاجز و المعنّف في صراعه ضد العنف و صعوبة حصوله على الدعم الذي يحتاجه بالرغم من وجود القوانين و المسؤولين عنها فأين يكمن الخلل؟… هل يكمن الخلل في عدم وجود ثقافة واضحة بالعنف لدى عموم الناس أو في عدم فعالية القوانين التي تمكّن المعنّف من الحصول على الحماية أو ربما في سوء تقدير القائمين على تطبيق القوانين لأهميتها و تهاونهم في اتخاذ إجراءات الحماية، قصة شرعا تحكي السلطة المطلقة للأولياء لدينا على القصّر و الضعفاء و مقدار الحصانة الني تمتّع بها هذا الأب و غيره في ممارسة تسلطه و قسوته حتى قتل ابنته في النهاية، و العتف الذي يعتقد الكثيرون بأنه بضاعة غربية والذي يشمل تبعا لمنظمات حقوق الإنسان الإساءة المعنوية و اللفظية و الجسدية لا يرتبط فقط بسلوك منحرف كتعاطي المخدرات أوالكحول بل يوجد في كل المستويات الاجتماعية و الاقتصادية و إن كان الضعفاء من الطبقة الأدنى اجتماعيا و تعليميا كالأطفال هم الأكثر تعرضا له و الأجهل بكيفية مقاومته، والعنف لدينا هو الإبن الشرعي لموروث العشوائية و التقليد فلا يرى الأهل بأسا من ممارسة أشكال متعددة من العنف بدافع التأديب وشقاوة الأولاد، وليس من غير المعتاد أن نرى مجموعة من المراهقين أو المراهقات يتشاتمون و يتضاربون بكل عنف مع بعضهم البعض في المدارس إلى حد الطعن و الإيذاء أو أما تلطم صغيرها في مكان عام لكثرة صياحه أو خادمة أو سائق يتعرضون إلى السب و الضرب و التعدي من كفلائهم، أين دور المؤسسات العامة كالمدارس و المستشفيات و مراكز الشرطة في التعرف على مظاهر العنف و رصده، و أين دور الإعلام في القيام بحملات التوعية بمظاهر العنف، و أين دور العلماء و الباحثين في إصدار الدراسات و التوصيات عن واقع المعنّفين، وماهو دور القائمين على تنفيذ القوانين و إصدار الأحكام في قضايا العنف بمختلف أشكالها في تخفيف حدة العنف و محاربته؟… هناك الكثير من الأسئلة و القضايا المطروحة أمام هيئة حقوق الإنسان، و التي يقتصر دورها حاليا على استلام البلاغات و مخاطبة و تبليغ الجهات المعنية و التي قد لا تستجيب في الكثير من الأحيان، وقضية العنف ليست واحدة من تلك القضايا التي تحتمل الصبر و التأجيل و المماطلة و إعداد اللجان لرفع التوصيات و إصدار البيانات، و التي تأتي بعد ذلك مخيبة لمستوى التوقعات كما في تصريح ممثل الخدمات الاجتماعية بأن العنف لدينا لا يمثل ظاهرة بعد، فكم شرعا ينبغي أن نفقد حتى يتم التصدي بجدية للعنف بكل مظاهره؟…


ما الذي أحرقهم في بريدة؟


الأخبار المنشورة مؤخرا عن حريق مستشفى الصحة النفسية في بريدة تعكس مستوى التخبط و العشوائية في تعامل المسؤولين مع المشكلات الصحية و الذي أفرز و لا يزال مثل تلك الحوادث، البيان الصادر عن المسؤولين في وزارة الصحة عبر عن الأسف لذوي القتلى و عن تشكيل لجان لبحث أسباب الحريق، أما البيان الناتج عن الدفاع المدني فهو يظهر أن القتلى تعرضوا في غضون خمس دقائق و خلال نومهم لدخان الحريق السام مما أدى للوفاة، و هو أمر مستبعد كثيرا حيث كان ثلاثة من المتوفين من طاقم التمريض و لا يمكن افتراض أنهم قتلوا كما حدث للمرضى أثناء نومهم، و الأمر الأهم بغض النظر عن أسباب التأخير في إطفاء الحريق في الوقت المناسب هو في استعدادات السلامة في أجنحة المرضى و التي يفترض خضوعها للتفتيش الدوري كما تقضي وسائل العمل في كافة المنشآت الصحية، و ذلك يعني التحقق من وجود أجهزة إنذار مبكر على اتصال بمراكز الدفاع المدني و وسائل إخلاء و احتواء آلية للحريق في حال اندلاعه و على الأخص في مستشفى للعلاج النفسي حيث يفترض حدوث مثل تلك الحوادث لطبيعة المرض النفسي لدى النزلاء، أما المؤلم حقيقة فهو أن 88 مريضا قد تمت إعادتهم للمستشفى بعد إخماد الحريق مباشرة بلا أي توقف للبحث في عوامل استعداد المستشفى و مناسبتها لسكنى النزلاء و العاملين، فالمفترض أن التحقيق في أسباب الحريق جاريا و المفترض أيضا أن ما سبب الحريق بداية لم يتم بعد احتواءه سواء كان واحدا من المرضى الهاربين بعد الحريق كما ألمحت الأخبار المنشورة أو نتيجة لسوء تجهيز المبنى كما هو ظاهر من بعض الصور المنشورة،  وكان متوقعا و في خلال الفترة المبدئية لحدوث الحريق أن يتم إصدار بيان مشترك من وزارة الصحة و وزارة الدفاع المدني بنتائج بحث اللجان المعنية بأسباب الحريق و ليس نقل التعازي و التمنيات القلبية فلا زال هناك نزلاء و عاملين معرضين لنفس المصير في ظل استمرار غموض الوضع حول أسباب الحريق وأوضاع السلامة و الأمن في المستشفى، و من المؤكد أن جمهور المتابعين ينتظرون نشر صور للمسؤولين وهم يقيمون أوضاع المستشفى و أجنحة النوم و ليس صور المسؤولين وهم محاطين بموظفين المستشفى لإطهار تضامنهم معهم و شكر المسؤولين على اهتمامهم، فليس ما حدث كارثة طبيعية تستدعي التضامن و لكن خطأ و قصور يستدعي البحث و التعديل، و المثير للتعجب هو مقدارالتركيز على المسؤول و ليس على المريض وهو محور العملية العلاجية في ثقافة العمل الصحي لدينا، و هو ما أوضحه الخبر المنشور على موقع مستشفى الصحة النفسية ببريدة حول زيارة وزير الصحة للمستشفى بعد الحادثة، الخبر يذكر أن رؤساء الأفسام و مدير المستشفى قاموا باستقبال وزير الصحة و أنه بعد أن أخذ موقعه من “الحفل” قدم مدير المستشفى كلمة لشكر الوزير على اهتمامه و لتوضيح أوجه النقص و الاحتياج، كما يتضح من الخبر أن هناك طلبا لإنشاء مبنى نموذجي للصحة النفسية تتداول الوزارة أوراقه منذ عشرين عاما، و يذكر الخبر أن الوزير أثنى على افتتاح الموقع الإلكتروني للمستشفى و عبر عن سعادته بهذه الخطوة “الجبارة” – و غني عن القول أن الموقع بمعلوماته الهائلة لا يحوي أي خبر عن الحريق الأخير- و انتهى الخبر بالتأكيد على مغادرة معالي الوزير مبنى المستشفى مصحوبا بمثل ما استقبل به من حفاوة و تكريم، كما سلطت الصحف الضوء على الزيارة التي قامت بها رئيسة التمريض لأهالي الممرضين المتوفيين و ليس لأهالي المرضى بالرغم من كثرة انشغالها و ارتباطاتها و تكبدها مشقة السفر برا من الرياض إلى بريدة لأداء واجب التعزية، و القصة الرسمية التي تحكيها بيانات الوزارة و لجان الدفاع المدني تختلف كثيرا عن تلك التي يحكيها أكثر المعنيين بالحادث وهم أهالي الممرضين المتوفيين، فاستنكر أحدهم عدم الشفافية في التعامل مع المشكلات حيث تلقى و غيره من الأهالي خبرا يفيد بأن الممرضين كانوا نائمين وقت وقوع الحريق بينما كان فقدان الممرضين لمفاتيح الأبواب الخارجية و عدم وجود مفاتيح بديلة كان السبب في مصرعهم، كما يؤكد أن الممرضين جميعا أدوا صلاة الفجر جماعة مع حراس الأمن بالمستشفى قبل الحريق مباشرة فكيف يناموا وقت الحريق؟ و يتساءل والد ممرض آخر عن وسائل السلامة “أين كاميرات و صافرات الإنذار و المفاتيح الاحتياطية؟”، و التساؤلات التي يضعها ذوي المرضى أمام المسؤولين هي الأمر الوحيد المنطقي في التعامل مع مثل تلك الحوادث، و لا أعتقد أن وعود المسؤولين و تفقدهم للمستشفى ستكون بديلا كافيا لدى الأهالي و العاملين لغض النظر عن الحادثة المروعة، و هي تجلب للأذهان حوادث مماثلة في مؤسسات تعليمية و طبية نشأت للأسباب ذاتها من الإهمال و عدم التحقق من السلامة و الأمن و التخبط وقت وقوع الحوادث سواء من النزلاء أو من المسؤولين و عدم التدريب على مواجهتها في مثل تلك المنشآتـ،، و من المفترض الآن أن تصدر الجهات المعنية تقارير منطقية لا تحصي فيها عدد القتلى و الجرحى فقط بل الوسائل المزمع اتخاذها لمنع تلك الحوادث مستقبلا و ماهي خطط السلامة في المستشفى و التي يمكن تحقيقها بميزانية أبسط كثيرا من انتظار إنشاء مبنى جديد، و حتى صدور هذا التقرير لا زال المتابعين لهذه الحادثة ينتظرون من المسؤولين ردا على تساؤلهم “ما الذي قتل المرضى و الممرضين في مستشفى الصحة النفسية ببريدة”؟…

في تقرير “أطلس” الصادر عن منظمة الصحة العالمية يظهر عبء الأمراض النفسية و العصبية العام على أي مجتمع أكبر كثيرا من عبء أي مرض آخر بما فيها أمراض القلب و السكر و غيرها، و ذلك لسببين أـساسيين و هما محدودية الخدمات الصحية المقدمة للمرضى بثل تلك الأمراض و ثانيها لطبيعة المرض بالتحديد،

في ذكرى محمد و العنود


في غضون أشهر معدودة فقدت عائلة صديقة اثنين من أبنائها محمد و العنود في حوادث مرورية مفجعة، باغتت نهايتهما المفجعة عائلتهما كما باغتت عائلات أخرى واجه أبناؤهم نفس المصير، وكان من الممكن لمثل تلك البراعم أن تنجو في مجتمع يحترم و يطبق قوانين الأمن و السلامة في الطرق، و قضية الحوداث المرورية في المملكة و التي تحصد عددا مهولا من الأرواح كل يوم من أبناء و بنات الوطن في كل يوم من أهم الأولويات، وليس ذلك فقط بسبب العدد المؤسف لضحايا الحوداث المرورية سواء من الوفيات أو المصابين بإعاقات أوقفت حياتهم الطبيعية كما عهدوها للأبد، و لكن لأن السبب في الحوداث المرورية هو الفشل في تطبيق معايير بسيطة للغاية للأمان و السلامة في القيادة و المركبات و الطرق، كم هو أمر  مخز أن نترك البشرنهبا للموت و للإعاقة الدائمة لأسباب يمكن ببساطة منعها، و أتذكر قيام إدارة مرور جدة قبل عدد من السنوات بإنشاء معرض إرشادي في واحد من أكبر المجمعات التجارية، المعرض الذي قدم صورا مؤلمة من مواقع عدد من الحوداث المرورية مصحوبا بإرشادات السلامة التي تم تجاهلها في كل حادثة أثار الكثير من ردود الأفعال الساخطة لعرض صور الموت و أجزاء الجثث و المركبات المتفحمة في مكان عام بلا مراعاة لشعور العابرين و العابرات، و مع احترامي لوجهة النظر تلك إلا أنني ساندت المعرض، و كلي يقين بأن عرض مثل تلك المشاهد للشباب و للسائقين الجدد كإجراء إلزامي قبل منح الرخص سوف يجعلهم أكثر حذرا ووعيا على الطرقات، و القيادة في طرقاتنا تشبه لعبة إلكترونية مخيفة مدعمة بسلسلة من المفاجآت المستمرة، الناجي منها هو من يقرأ لغة السائقين الخاصة من حوله و التي تحتاج للقدرة على التنبؤ بالأمور قبل حدوثها، فيتحسب مثلا لمن يقرر أن يحيد بلا إنذار عن مساره أو يظل سائرا بكل سرعته بالرغم من توقف السيارات أمامه و بالرغم من توقف الإشارة، و أما استخدام إدارات المرور لتلك العبارات التي تزين بها شوارعنا مثل “القيادة فن و ذوق و اخلاق” فذلك أمر غير مجد على الإطلاق و الأفضل منه منع الإعلانات الملونة و الشاشات المتلفزة التي تصرف انتباه الكثير من السائقين عن الطريق، حيث تشير الدراسات التي صدرت عن سلوك قائدي المركبات و عن أسباب الحوداث المرورية لدينا  أن الأمر بالفعل بحاجة لما هو أكثر من استنفار النوايا الطيبة و الذوق و الأخلاق، ففي  دراسة ميدانية لمعرفة نسبة انتشار حوداث الطرق بين فئة الشباب من طلبة إحدى الكليات الصحية، كان أكثر من نصف الطلبة قد تعرضوا إلى حوداث مرورية كما أصيب ثلثهم في تلك الحوادث، و اثنين من كل عشرة ممن أصيبوا قد تم تنويمهم في المستشفى لفترة تزيد عن تسعة أيام، و بالرغم من أن معظم هؤلاء الطلبة كانوا على معرفة عالية أو معقولة بالأنظمة المرورية إلا أن السرعة كانت عاملا أساسيا في إصابتهم، و إذا كانت قلة الوعي في اتباع قوانين السلامة واردة في قائدي المركبات فهي بالتأكيد أمرا مستبعدا من أفراد شرطة المرور، إلا أن دراسة منشورة عن مدى معرفة رجال المرور لدينا بالإسعافات الأولية في واحد من أكثر الطرق السريعة ارتيادا و تعرضا للحوادث، أوضحت أن غالبيتهم و بالرغم من تدريبهم المسبق على الإسعافات الأولية يفتقدون إلى المعرفة و المهارة الكافية بأساسيات الإسعافات الأولية، مما يؤثر سلبا على حالة المتعرضين للحوادث على الطريق، وتمثل الوفيات بسبب حوادث الطرق ما نسبته ثمانون بالمائة من بين كل الوفيات المسجلة في مستشفيات وزارة الصحة السعودية، و هناك ما نسبته عشرون بالمائة من الأسرة في المستشفيات ذاتها مشغولة بضحايا تلك الحوداث، و تقدر إحصائية منشورة مؤخرا أننا نفقد في كل ساعة قتيلا واحدا و أربعة مصابين بسبب حوداث الطرق، تلك النسب و الأرقام  ليست مجرد إحصائيات على ورق ولكنها أرواح غالية لأبناء و بنات و أزواج و زوجات و إخوة و أخوات انطفأت بموتهم و إصابتهم شيئا من شعلة الحياة في قلوب أحبائهم، أرواح فقدناها بسبب غياب إجراءات القيادة الآمنة أو عدم صرامتها و بسبب تهاون قائدي المركبات و سوء تدريبهم، كان من الممكن أن تنقذها حملات مكثفة للتوعية بإجراءات السلامة و الأمن، أو المزيد من التخطيط و التنظيم للطرق و أنظمة منح رخص القيادة و وسائل فحص المركبات، حفظ الأرواح يحتاج إلى ماهو أكثر من ثلاثون يوما من الحبس أو غرامة مالية ما لا تزيد عن تسعمائة ريال، وهي العقوبة المنصوص عليها لمعظم مخالفات المرور كما وردت في الموقع الرسمي لوزارة الداخلية، سواء لمن يشترك في حوادث تؤدي إلى إصابات جسدية و يختفي من موقع الحادث بلا تبليغ أو للقيادة المسرعة أو للتفحيط أو عدم اتباع إشارات المرور و أنظمة السير وغيرها من المخالفات، وليس هناك أي عقوبات بسحب الرخص أو الإيقاف عن القيادة لمثل تلك الجرائم، ولا بد أن كل من فقد له حبيبا أو حبيبة على الطرقات يتساءل لماذا تبقى أرواحهم أرقاما و أخبارا في صفحات الحوداث، و لماذا مع امتلاكنا للموارد و الإمكانيات نفتقد للسلامة في الطرق؟…


عودة الإمام


انبهر الإمام محمد عبده اثناء رحلته الشهيرة إلى فرنسا كمشرف على أول فوج مصري من الطلبة المبتعثين بمظاهرحضارة الغرب في مدنهم و باختلاطهم الإنساني و كانت تجربة الحياة في فرنسا عامل أساسي في دعوته الإصلاحية عند عودته إلى مصر و تشجيعه لأبناء بلاده على تعلم فنون و علوم الحضارة الحديثة، وبالطبع كان ذلك التغيير في الاتجاه و الفكر متوقعا من الإمام الذي نشأ في أوساط يكثر فيها الجهل و تقل فيها مظاهر التقدم والمدنية… و لكن هناك شيئ ما في عصرنا الحديث من الانفتاح على الغرب و سهولة الحصول على المعلومات يجعل مثل صدمة الإمام بمعرفة حضارة الغرب أمرا شبه مستبعد من أي شخصية عربية في عصرنا الحديث، و المتأمل لما ما كتبه عالمنا الجليل الشيخ عائض القرني أثناء رحلته إلى باريس تغمره الدهشة لقراءة انطباعاته عن الغرب، لقد شمل الشيخ نفس الشعور الذي شمل الإمام محمد عبده وتبدى له نفس الاكتشاف الذي توصل إليه والفارق هنا أن الشيخ يعيش في القرن الواحد والعشرين ولا يعدم وسيلة من اطلاع على إعلام أو استخدام للتكنولوجيا أو وسائل لسفر ميسر أو مؤتمرات للتعرف والتوصل إلى ثقافة الغرب ومظاهر حضارته بينما عاش الإمام محمد عبده في القرن التاسع عشرالذي تميز بمحدودية و صعوبة التنقل والتوصل إلى العلم والمعرفة بالآخر، وهذا في الحقيقة  واقع يكشف انعزال علماؤنا في هذا العصرعن مستجدات الحياة وانغماسهم في دوائر مغلقة… يكتشف الشيخ بكثير من الصدمة و الحذر أيضا أن الغرببيين قد جملتهم رقة الحضارة بلطف المشاعر وحفاوة اللقاء وأدبيات المخالطة، ويرى ويلاحظ آداب التعامل لدى الفرنسيين و إيثارهم له في زحام المداخل و مساعدتهم له في البحث عن وجهته فيتأثر بذلك كثيرا و يقدم اعترافه بتقدمهم حضاريا و إنسانية تعاملهم والذي يخشى أن يلقى عليه من متابعيه اتهاما بالولاء للغرب، والشيخ يعزو مظاهر الرقي في التعامل الإنساني الذي لحظه إلى قوة حضارة الغرب التي أفلحت في تقويم وتهذيب طباع البشر، كما يغمره اكتشاف الآخر(الغرب) بصدمة اكتشاف ما تفقده النفس (الواقع العربي) والتي باغتت أيضا الإمام محمد عبده عند إقامته في باريس، و لأن الضد بالضد يعرف فالشيخ أصبح الآن أكثر إدراكا لغلاظة و جفوة الخلق و البشر في مجتمعه الملحوظة حتى في رجال الدين “وهو منهم” كما ذكر، وهو يأسف على تجهم رجال الدين و غلاظة رجال الشرطة والجنود و قسوة الأزواج و لؤم الزوجات وتكبر المسؤولين و تفاخرهم على من يراجعوهم، فيحمل نفس الدعوة الإصلاحية التي حملها الإمام محمد عبده من قبل و يدعو أيضا إلى تطبيق “صارم” للشريعة لتغيير خلق الناس و تعاملهم لإعادة توجيههم إلى نفس مستوى اللطافة و الرقي في التعامل الذي لمسه في الغرب والذي حث عليه الإسلام واختفى من سلوك أتباعه مع الزمن وهو يقترح اقتراحا لطيفا -وبالطبع غير قابل للتطبيق لأن لا أحد يرى عيبا في نفسه وبالتالي لن ينفذه أحد- أن تكون هناك معاهد لتعليم الناس آداب التهذيب و التعامل كمسؤولين وعلماء وكأزواج….وقد قرأت بكثير من التقدير اعتراف الشيخ بجفائه و جفاء رجال العلم و الدين و لذلك أحترم كثيرا الشيخ عائض لاعترافه بالحق ولو على نفسه ولشجاعته الأدبية في ملاحظة و ظهار القصور في نفسه وفي مجتمعه وهو هنا نفس الباحث المصلح الذي عهدناه دائما، و ربما كان عدم جموده و نشاطه الفكري المتجدد في البحث في طبائع النفوس و سلوك المجتمعات و بعده عن مظاهر الأمور إلى مضامينها هو ما يميزه عن كثير من العلماء التقليديين ، وهو بذلك يخالف كثيرا التفكير النمطي المتعارف عليه من الشيوخ وطلبة العلم، والشيخ أيضا قد تعرض بسبب “تجدده” إلى كثير من الهجوم من مراقبيه ممن يرون في تصريحاته كثيرا من التردد والعودة عن آراء سابقة له في الفتوى كقضية قيادة المرأة للسيارة و غيرها، وللشيخ مقولة شهيرة في ذلك ” تلقيت اتهامات عديدة فالحداثيون يعتبروننا خوارج، والتكفيريون يشنعون علينا بأننا علماء سلطة، بينما ما زال بعض السياسيين مرتابين منا، وهناك من يرى أننا مجرد راكبي موجة، وأننا غيرنا جلودنا لكي نحقق بعض المكاسب، متناسين أننا ندفع الثمن غالياً”… و العجيب أن تغيير الجلود الذي أشار إليه الشيخ و مارسه في بعض الأحيان في فتاويه و آرائه هو سنة الحياة فلا شيء يبقى على حاله وليس هناك خير أو شر مطلق والأمور نسبية تتغير في أهميتها بحسب الزمان و المكان و مستجدات الأمور، و التغيير على النمط السائد في الفكر و العمل هو أيضا ما يقاومه وبشدة التيار التقليدي من العلماء و طلبة العلم خشية الفتنة والغزو الفكري وغيرها من المسميات وهم بذلك يحصرون أنفسهم في نفس الخانة الضيقة التي عاش فيها الإسلام و المسلمين في العصور السابقة “المظلمة” ويفوتون على أنفسهم وعلى أتباعهم التنافس مع الحضارات وتبادل الثقافات الذي ينقح بالضرورة الفكر و يثري المجتمع… و تجدد “الاكتشاف” و تغيير القناعات لدى العلماء و المفكرين ليس دليلا على تغيير المباديءالأساسية ولكنه دليل على تغير الملامح وعلى زيادة وضوح الفكرة و تبين المعرفة وهو سلوك طبيعي يصاحب الإنسان خلال مراحل نضجه ولذلك تتجدد دعوات كثير من المفكرين والعلماء بتجدد و تطور تجاربهم واطلاعهم كما هو ملحوظ من سير العديد منهم في التاريخ الإسلامي… والنظرة إلى الغرب كمجتمع إنساني يمتلك حضارة تستحق التوقف و الإعجاب و ربما أيضا الاقتباس تنافي بالطبع مبدأ الولاء والبراء الذي شهدنا العديد من تفسيراته المغلوطة بسبب قصور الفهم والجهل بطبيعة الآخر و الذي تمت إزالته مؤخرا من المقررات المدرسية… والأهم في انطباعات الشيخ عن رحلة باريس هو كونها تمثل رد فعل متجدد و إعادة نظر في قضية التعامل مع غير المسلمين و التي شكلت معضلة في الفكر الإسلامي الحديث كثيرا ما انتهت بالانعزالية و الابتعاد عن التعاطي مع الغرب ربما نتيجة لقلة الوعي بالآخر، كما تمثل انطباعات الشيخ دعوة بالفعل لإعادة النظر في تعامل العلماء و المفكرين مع مستجدات الحياة و الاطلاع على العالم خارج محيطهم اليومي الضيق خصوصا مع سهولة الوصول على المعلومات حاليا، و تمثل أيضا دعوة للعلماء للبدء بالإصلاح الذاتي فالجيل القادم من العلماء لن يغفر له عموم الناس عودته عن تصريحاته و آرائه لعدم اتصاله و قلة معرفته بالآخر خصوصا مع توفر وسائل التكنولوجيا و الاطلاع، و العلم و الخطاب الديني الذي يؤثر في فكر وسلوك الناس هو الأولى بقراءة الواقع الحديث و معرفة الثقافات و الحضارات السائدة ليصبح أقدر على التعامل معها و تطوير خطابه و مواقفه عن وعي و علم، وعندها فقط لن نشهد أزمة عودة الأئمة عن آرائهم…


عالم رقمي


يعمل مجموعة من الباحثين الأمريكيين الآن برعاية إدارات أمريكية متعددة كالدفاع و الصحة و الشؤون الاجتماعية على تطوير شريحة إلكترونية “كبطاقة ذكية” يتم زرعها تحت الجلد لكل مواطن و تعمل كمرجع عام لمعلوماته الحكومية و الضريبية و الصحية، وتهدف هذه التجارب إلى إيجاد وسيلة دقيقة و موحدة و آمنة و محفوظة من الضياع للتعامل في الجهات الحكومية و المالية و الصحية و للتنقل بين الموانيء و الحدود، و الشريحة التي أصبحت الآن في مرحلة التجربة و تم بالفعل زراعتها في بعض المتطوعين تعني أيضا “تشفير” الأشخاص و إمكانية ملاحقة الناس أمنيا و التعرف على معلوماتهم كاملة من الجهات الحكومبة حال الحاجة إلى ذلك، و من المتوقع أن تساهم التقنية الجديدة في تحكم أمني أفضل من الجهات الرسمية في حالات مخالفات قوانين الهجرة و التنقل والتعاملات البنكية و الغش الضريبي و تقليل الأخطاء الطبية الناتجة عن عدم معرفة التاريخ الطبي للفرد و اختصار الوقت و الجهد و المال في عمل فحوصات جديدة حال الطواريء الطبية، و كل ما سيحتاجه الشخص هو المرور أمام كاشف للمعلومات المخزنة على الشريحة في ذراعه في الجهات الرسمية و المصحات و غيرها، بلا حاجة لتذكر أي أرقام سرية أو تواريخ صلاحية و ما إلى ذلك… و المدهش بالفعل هو مدى اتساع الآفاق و لا محدوديتها التي يشهدها العصر الرقمي في الأنظمة ووسائل الحياة، حيث يعيش المزيد و المزيد من الناس معظم حياتهم و أوقاتهم بالفعل في العالم الافتراضي و يعتمدون عليه لتسيير معاملاتهم و مصالحهم العامة وحتى لقضاء أوقات فراغهم و للتواصل و البحث عن الأصدقاء، و في مثل هذا العصر هل أصبح مقبولا أن نقوم بتشفير الناس بدلا من تشفير بطاقات الهوية و بطاقات البنوك و بطاقات المستشفيات و جوازات السفر وغيرها، وهل يتقبل إنسان العصر الحديث أن يتم التعامل معه كبطاقة ذكية؟… المروجون لفكرة الشرائح الالكترونية المزروعة يؤكدون أن لها العديد من المزايا كالقدرة على سرعة تحديد أماكن الأطفال الضائعين أو المختطفين أو المرضى العقليين أو كبار السن المصابين بالخرف أو البحث عن المفقودين بسهولة، كما ستمنح القائمين على الأماكن السرية كمصانع الأسلحة و المفاعلات النووية و المناطق العسكرية وسيلة لتتبع العاملين ومعرفة أماكنهم بلا حاجة للبطاقات الممغنطة وما يماثلها من آليات للتحكم في صلاحيات الدخول و التحرك في أماكن العمل السرية، و أيضا تفكر الشركة المنتجة بإضافة نظام الملاحة العالمي للشريحة حتى يتمكن الشخص من تحديد موقعه و الوصول إلى أي موقع يحتاجه، باختصار لا حدود لإمكانيات الخدمات التي يمكن إضافتها للشريحة تماما كما لا حدود الآن للخدمات التي تقدمها الأجهزة الالكترونية لإنسان العصر الحديث للعمل و التنقل و الصحة و تخزين المعلومات و الترفيه و التعلم و غير ذلك، و فكرة الشرائح المزروعة ذات جاذبية كبييرة على الأقل في المجال الطبي الذي ستقل فيه الأخطاء الطبية بسبب عدم التعرف على المشكلة و سيصبح الاتصال فيه عن طريق إرسال إشارات تنبيه إلى المصحات سريعا و فعالا في حال وجود حالة طبية طارئة و كذلك في المجال الأمني و المالي الذي لا يمكن فيه الحصول على المعلومات المالية سوى للشخص بنفسه، و الدكتور جوزيف فيلدمان وهو أحد المتبرعين الأوائل الحاملين لشريحة إلكنترونية مزروعة لغرض طبي يذكر أن الشريحة ستقدم معلومات هامة عن علاماته البيولوجية الحيوية و أماكن تجواله و الحصول على معلوماته الطبية في حال عدم قدرته على التحدث أو التواصل مع الفريق الطبي في الطواريء، وتصبح الفكرة مثيرة للشك في حال استخدام المعلومات كوسيلة للسيطرة على الأشخاص و التجسس على تعاملاتهم و تحركاتهم، و هنا لا توجد حدود لما يمكن كشفه و استخدامه ضد الشخص و مصالحه بدلا مما يمكن استخدامه لتيسير تعاملاته، والكثيرون الآن يرفضون أن تتم ملاحقتهم و تتبعهم من الأنظمة كمبدأ مهما كانت نبالة الهدف الأمني الذي تسعى إليه الجهات الحكومية، كما أن مسألة التشفير مثلها مثل أي تقنية أخرى يمكن أن يتم التلاعب برموزها والاستيلاء على شرائح بعض الأشخاص ذوي الأهمية و سرقة “هوياتهم” أو إعادة برمجتها و زرعها في غيرهم للوصول إلى مصالح و أهداف غير مشروعة كما في حالات التجسس و السرقات مثلا، وإساءة استخدام التكنولوجيا شيء وارد و متوقع لدى كل جهة تستخدم التكنولوجيا الآن، أما غير المتوقع و الأمر الذي لا يمكن التنبؤ به هو نتائج تحويل الإنسان إلى شريحة إلكترونية،  و تحول أفراد المجتمع إلى خلايا ضوئية متحركة تراقبها الجهات الحكومية… وبالرغم من توقع الباحثين أن الكثير من الناس سيسعدهم الحصول على التقنية الجديدة كما أسعدهم من قبل التعامل مع أجهزة الصرف الآلي و بطاقات الهوية و العمل المشفرة إلا أن ذلك في الحقيقة أمر مستبعد، فالعديد من الناس سيسوؤهم أن يتم زرع تقنية ما في أجسادهم كما كان رد الفعل الأولي في عدد من الناس و ذلك أمر متوقع للطبيعة البشرية التي تنفر من التتبع و الملاحقة، أتخيل الآن أن هناك من سيبحث عن وسائل تقنية متطورة لكشف المعلومات على الشرائح المزروعة في المتقدمين للزواج أو في المرشحين للمناصب البلدية أو العامة أو في السياسيين مثلا و معرفة حقائقهم و معلوماتهم التي لم يصرحوا بها قصدا أو بغير قصد، و ربما تكون للتقنية الجديدة بالرغم من إمكانياتها المخيفة بعض المزايا الجذابة بعد كل شيء…

خواطر شاب سعودي

لا شيء أكثر استفزازا من ادعاء العلم و محاولة إقناع جمهور من البسطاء بلا أي منطق سليم و لا وعي جاد بمصائب جديدة تضاف إلى مصائبنا حتى تكتمل المأساة، لذلك السبب بالذات لا أتنقل كثيرا بين برامج التلفزيون العربية خارج نطاق البرامج الإخبارية و أسعد أحيانا بالبرامج الحوارية و لو كانت مسنتنسخة عن برامج عالمية إذ تكشف لنا جانبا ولو بسيطا من شخصياتنا العربية المغمورة بين زحام و زخم الممثلين و المطربين و أشباههم و غوغاء برامجهم التي لا تنتهي، ولكنني توقفت بالخطأ عند “خواطر شاب” و الذي لا أعلم هل هو فكرة مستنسخة عن برنامج عالمي أم لا و لكنها بالتأكيد ذات نكهة عربية شديدة السذاجة، يقدم الشاب في خواطره إحصاء ما لا أدري مدى دقته عن تزايد عدد النساء العوانس في المملكة فوق الثلاثين عاما، و يؤكد الشاب أن السبب هو ضعف موارد الشباب حديثي التخرج للإقدام على مشروع الزواج…لم أستطع أن أتوقف لحظة لاستيعاب العلاقة بين الشاب حديث التخرج الذي لا يستطيع الزواج في بداية حياته و بين النساء العوانس فوق الثلاثين عاما حيث عاجلنا الشاب بمفاجأة أخرى ذكرتني ببرامج هالة سرحان الشهيرة عن مدى انتشار العادة السرية و الشذوذ الجنسي بين الشباب و البنات بل أنه قام باستطلاع بين الشباب و البنات على شاشة التلفزيون حيث قدم كل ضيف و ضيفة وجميعهم من الشباب السعودي نسبة تقريبية لانتشار الشذوذ و العادة السرية تقدر بين 50 و حتى 80 في المائة بين الشباب و الشابات على حد ذاكرتي المزدحمة حاليا، و لا أدري هل أصبحت العادة السرية جهرية أم ماذا حيث يفتي الجميع بمدى انتشارها،  أما الاستنتاج الذي توصل إليه الشاب و قدمه في خواطره في الحلقة حول سر انتشار هذه العادات هو في عدم إقدام كل أسرة على تزويج ابنها في الخامسة عشرة  وهو السن الأنسب للزواج من الناحية الفسيولوجية، و يقترح على كل أسرة أن تبدأ بتزويج شبابها صغارا وأن لا تلقي بالا إلى ادعاءات تصريف طاقات الشباب في النشاطات الرياضية مما يعني بالضرورة  أن يتولى رب الأسرة الإشراف على الأسر الجديدة جميعا في عائلة واحدة سعيدة تعيش في منزل كبير تتحقق فيه الخصوصية لكل زوجين صغيرين كما تشرف الأم فيه على أولادها و على زوجاتهم و ينفق الأب فيه على الأم و الأولاد و على كل شخص يصل للخامسة عشرة و يفتتح بدوره أسرة جديدة و ملحقاتها، و لنا أن نتخيل مدى إمكانية تطبيق ذلك في الأسرة السعودية التي يبلغ متوسط أبناءها خمسة أطفال إن لم يكن أكثرو ما أجمل أن يتم استخدام مقتطفات من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم كالعادة لتأكيد هذا المنطق و تمريرهذه الأفكار، و بعيدا عن الإمكانية الفعلية  لتطبيق هذه النصيحة من الناحية المادية و المعنوية فقد فات على الشاب مقدم الحلقة وهو يندفع في خطبة عصماء عن أهمية الأخذ بنصيحته و إلا فسدت أخلاق الشباب أن يذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتزوج حتى بلغ الخامسة و العشرين ولم يبحث عن الحاجة الفسيولوجية بقدر ما بحث عن الاحتواء و الحنان لدى السيدة خديجة رضي الله عنها كما لم يصرح الرسول لمن لا يملك المال بالزواج بل أوصاه بالصوم لأن الزواج في عالم الواقع وليس التلفزيون ينوء بالأعباء المادية التي لا يشكل المهرو الحفلات الذي يعتقد الشاب والضيوف بأنه سبب عدم الزواج شيئا منها ، العبء الحقيقي الذي يواجه الشاب هو قوامة الزوج على أسرته الجديدة من زوجة و أطفال ماديا و معنويا وتربويا، على الشاب بالطبع أن يتحمل الإنفاق المادي على الأسرة الجديدة بتوفير أبجديات الحياة الكريمة من مسكن و ملبس و علاج و تعليم و فواتير و غيرها، ليست الحياة مجرد حاجات فسيولوجية ينبغي علينا تلبيتها و الانصياع لها و إلا تفشت بيننا العادات السرية و الانحراف، ففي مقابل كل تلبية لحاجة ما هناك ثمن وعبء ينبغي أن نبذله، و يمكن بالطبع أن تكون الصورة التي قدمها الشاب للزواج المبكر ممكنة في وسط معين من العائلات و التي تمتلك الإمكانيات المادية و لكن حتى لو تمكن شبابها من الزواج في الخامسة عشرة يتبقى هناك قدرا لا يستهان به من المحاذير بالنظر إلى ارتفاع نسبة الطلاق في مجتمعاتنا، فهل القدرة على الإنفاق كافية لإنجاح الزواج، ألا يلزم قدرما من النضج و الوعي للتعامل مع شريكة و شريك جديد و مع ضغوطات جديدة تفرضها طبيعة الزواج، نحن أبناء ثقافة لا تعطي قدرا من الوضوح أو الحدود العادلة في توقعات كل من الشريكين من الآخر و في تعاملات الأهل مع الزوجين مما قد يفسر معاناة العديدين وفشلهم غالبا في تحقيق معاتي الزواج التي أجملها القرآن في المودة و الرحمة، الإسلام واضح في موانعه و محاذيره ولا يمكن تبرير تفشي الانحلال بعدم الاستطاعة على الزواج في فترة المراهقة، كما يمكن البحث عن أسباب الانحرافات لدى المراهقين في مجتمع مثل مجتمعنا تمنع فيه مسببات ومداخل الشهوات و ينشط فيه الوعظ الديني،  وإذا كانت الإحصائيات التي قدمها الشاب صحيحة من حيث عدد العوانس فوق الثلاثين و مدى تفشي الانحرافات السلوكية بين المراهقين و المراهقات فنحن أمام مصيبتين مختلفتين تحتاج كلا منهما إلى دراسة دقيقة،  أما محاولة عمل ارتباط ما بين زيادة نسبة عنوسة النساء فوق الثلاثين و بين ارتفاع متطلبات الزواج فهذا أمر خال من المنطق و من الحقيقة، فالنساء فوق الثلاثين لسن من الأهداف المحتملة للشباب حديث التخرج في بحثه عن زوجة، كما أن توفير الإمكانات المادية للشباب لن يؤدي بالضرورة إلى زواج سعيد، ربما كان من الأفضل أن يتم بحث الأسباب الحقيقية و الواقعية لعزوف النساء عن الزواج و تشجيع الرجال على السعي الجاد في العمل و الكسب وتحمل المسؤولية لتحقيق رغباتهم بالزواج، و ربما كان من الأفضل أيضا أن يتم توضيح طبيعة الزواج ومسؤوليته عند تشجيع المراهقين بكل حماسةعلى الإقدام عليه، أتخيل الآن قدر الحرج الذي سيواجه والد كل شاب في الخامسة عشرة شاهد البرنامج و تحمس لطلب الزواج من والده كما لا أستطيع بالطبع إلا أن أتساءل عن مدى الرقابة و الإعداد في مثل هذه البرامج و التي تحمل بكل حسن نية وسوء تقدير لواء النصيحة في مجتمع ينوء بمصائب سلوكية وثقافية ويحلم بمن ينتشله منها وليس بمن يزيدها تعقيدا …