دعم حقوق السعوديات

ما أسرعنا في رفضنا لكل نقد حتى وإن كان يلامس الحقيقة، التقرير الذي أصدرته منظمة الأمم المتحدة عن لجنة مكافحة التمييز ضد المرأة لم يغالط الواقع، عندما أكد هيمنة الرجل السعودي على المرأة، وطالب بتقديم تحكيم التشريعات الدولية بدلاً من المحلية لدعم حقوق النساء السعوديات، ففي النهاية لماذا قمنا بالتوقيع عليه إن كانت لنا تشريعاتنا الخاصة؟ التقرير تولى الرد عليه في وسائل الإعلام، وبسرعة صاروخية، مجموعة من المسؤولين «الرجال» في تأكيد مؤسف له! وبعيداً عن الردود التي أكدت ما ذهب إليه التقرير، بدلاً من أن تنفيه فكل النقاط التي ذكرها التقرير هي بالفعل موجودة لدينا ومخالفة للتوصيات الدولية، وكان الواجب على الأقل لمن تولوا مهمة الرد إعداد تبرير منطقي، أو الخروج بخطة عمل زمنية لمعالجة القصور في أوضاع المرأة السعودية، أما أن يتولى المسؤول الرجل الرد نيابة عن النساء، ويؤكد أن التقصير في منحها حقوقاً مدنية أو اجتماعية مرهون بتطور عقلية المجتمع أو بمذهبنا التشريعي، فهذا ينافي بالتأكيد المغزى من الاشتراك في منظمات دولية لتطوير المجتمع، واللعب على وتر العادات والتقاليد لم يعد يكفي كمبرر لاستمرار أوضاع تعاني منها النساء، والتي تنتهي إليهن في العادة مسؤولية الأسرة والأطفال، وإن كنا جادين حقاً في تحقيق مقاصد الشريعة من عدل وكرامة للمرأة كما للرجل، فلابد من الالتفات بصدق لمنابع الشكوى والقصور.
المواضيع التي انتقدها التقرير تتلخص في نظام الفرق في الميراث، وفرض وصاية الولي، ومنع القيادة، والفصل التام بين الجنسين، ومحدودية مجالات التعلم والعمل، وأخيراً الموضوع الأكثر إثارة وهو ممارسة تعدد الزوجات… ميراث المرأة تم تبريره للعالم بكون المرأة تنفق أقل من الرجل، والرجل مسؤول مادياً عن أسرته، بينما المرأة غير مسؤولة عن النفقة… ولكن الواقع أن الكثير من الرجال يتنصلون من النفقة من دون إعسار، معتمدين على دخل المرأة، والإصلاح المرجو هو تفعيل القوانين الملزمة لتطبيق النفقة وسرعة البت فيها في حال وجود شكوى من التنصل، ولن يكون ذلك معجزاً بالنظر لإمكان المسؤولين بربطها بالمصالح الأخرى للمواطن، وليست حقوق النساء بأقل من حقوق المرور، بأن يتم  إيقاف رخصة المرور لمن يماطل في دفع نفقة زوجته وأولاده لأكثر من شهرين، بينما لدينا قضايا نفقة منظورة في المحاكم لا تنتهي بحل يكرم المرأة أو أولادها.
أعيد القارئ لمقال الكاتب الإنسان عبده خال في صحيفة «عكاظ» حول أطفال الـ300 ريال، والتي وصف فيها ما تقره المحاكم للأمهات الحاضنات من نفقة ضئيلة لكل طفل لا تتجاوز ذلك المبلغ، بغض النظر عن وضع الأب المادي، في تناقض عجيب لمبلغ الـ1000 ريال الذي تدفعه الدولة لرعاية أي يتيم لدى الأسر الحاضنة، وهنا أتساءل: ما الذي سيحدث لو قررت النساء لدينا السلامة والتخلي عن حضانة أولادهن حماية لأنفسهن ولأولادهن من الحاجة المادية وعواقبها المؤلمة؟ فكيف ستصبح حال مجتمعاتنا وأبنائنا؟ وهل نستطيع أن نلوم تلك النساء على ضياع الأبناء بعد أن أغلقنا في وجوههن الأبواب والحلول؟
نستطيع الرد على التقرير بإبراز خططنا في دعم وتعديل القوانين، لتمكين النساء من المطالبة بالنفقة الكريمة، ولضمان قيام الأولياء بمسؤولياتهم بدلاً من التنظير بمثاليات لا نراها على أرض الواقع… والوصاية على المرأة التي وضعها الإسلام في «الزواج والسفر”، لضمان مساندتها في اختيار الزوج الذي ستقضي عمرها معه، ولحمايتها من مخاطر السفر المعروفة قديماً، اتسعت الآن لتشمل ضرورة الحصول على موافقة الولي على التعليم، وممارسة أي وظيفة، ولمراجعة الإدارات الحكومية أو المحاكم للمطالبة بحق غائب… ولا أدري حقيقة عن وجود قانون يقضي بضرورة مرافقة المحرم للمرأة المريضة في حال احتياجها لسيارة إسعاف، ولكنه وإن وجد كما أتى في التقرير، فهذا دليل على خلل في أخلاقيات المسعفين لدينا، وفي فشل المسؤولين عن توفير إسعاف مجهز بممرضات لتلك الحالات، بدلاً من مطالبة المريضة في حال طارئة بتوفير محرم، ولعملي في القطاع الصحي فأنا أعلم يقيناً بأن عدداً كبيراً من النساء والأطفال لا يستطيعون الاستمرار على خطة العلاج أو الأدوية اللازمة، نتيجة لعدم وجود من يوصلهن للمستشفى، وعدداً أكبر ينقطع عن التعليم والعمل للسبب نفسه.
أما قيادة المرأة فأخذت أكبر من حجمها نقاشاً وجدالاً عقيماً، وإن كان اللوم يُلقى على المجتمع، الذي لا يريد لبناته ونسائه قيادة السيارة، فماذا قدم المسؤولون لحل مشكلة التنقل لكل سيدة محتاجة؟ هل قمنا بتوفير البديل من مواصلات عامة كريمة، حتى يمكن تجهيز المرافق اللازمة لقيادة النساء بدلاً من إلقاء اللوم على التقاليد، والتي لم تمنع  الملك فيصل، رحمه الله، من افتتاح مدارس البنات، على رغم معارضة المجتمع والتقاليد لها في ذلك الوقت؟… وإذا سلمنا بأهلية المرأة السعودية وحقها كإنسان أولاً وكمواطنة ثانياً في التعلم والعمل والكسب والتنقل، فيصبح من باب التناقض والتعجيز الحكم عليها بالحياة في عالم منفصل لا يوجد فيه الرجال، ومع إقرارنا بأهمية فصل الجنسين في التعليم إلا أن المطالبة بالفصل في نواحي الحياة أو العمل غير مبرر، وكم من سيدة احتاجت لمراجعة مدارس الأبناء أو متابعتهم وعجزت أو تميزت في عمل يحتكره الرجل والأمثلة كثيرة.
الاختلاط بحد ذاته ليس هو المحرض على الخروج على الآداب العامة، ولكنه انعدام القوانين الرادعة التي تحافظ على حدود وحقوق الأفراد من التعدي، وقديماً عملت النساء في الأسواق، وخرجن للرعي وحضور الخطب، وصلين خلف الرجال، وحججن معهم، وناقشن قضاياهن وهمومهن بلا أولياء مع القضاة والحكام وأصحاب الرأي، فيما لم يوافقهن من أمور الحكم والسياسة وجهاً لوجه و لم ينكرعليهن داعٍ ذلك.
نحن نرسل للنساء رسالة مفادها أن ابتعادهن عن الرجال أهم من مشاركتهن في شتى القطاعات وأجهزة الدولة، وأن بقاءهن معتمدات على الولي والرجل في تقرير مصائرهن، شرط لحمايتهن من أذى المعتدين من الرجال، بدلاً من فتح المجال لمشاركة المرأة وتمكينها وتفعيل القوانين التي تحميها من التعدي والتجاوزات… ويصب في القالب نفسه موضوع تعدد الزوجات، والذي تركناه للرجل حقاً مفتوحاً بلا ضوابط قانونية تحمي حقوق كل زوجة من التعدي والاستغلال، فلو تمت صياغة بعض القوانين لضمان عدم استغلال الرجل لهذا الحق لعضل المرأة والتقصير عليها بما يحقق القاعدة الفقهية العادلة «لا ضرر ولا ضرار» لأمكن الرد بموضوعية على التقرير، بدلاً من التعلل بالرغبة الجنسية المتزايدة التي لا يليق سردها كسبب وحيد للتعدد، إن الدين ربط التعدد بالعدل، وجعل له ضوابط، محذراً من العواقب الاجتماعية، التي قليلاً ما يوضحها العلماء لدينا للرجال.
لقد لفت نظري ما ذكره الشيخ العبيكان، في الرد على التقرير، في تأكيده بأن 99 في المئة من النساء السعوديات يشعرن بالرضا عن أوضاعهن، وأوجه للشيخ دعوة لمراجعة حكمه، بعد النظر في أحوال النساء في المحاكم، ودور الرعاية الاجتماعية، وأدعوه إلى الحكم على صلاح الأنظمة الحالية وعدالتها، بمدى فعاليتها في تمكين الضعفاء من النساء والأطفال في الحصول على حقوقهن وحمايتهن من عضل الأوصياء والأولياء… ولا أنكر مجهودات الحكومة في ذلك، ولذلك أدعو اللجنة التي تتولى الرد على التقرير إلى إشراك بعض النساء السعوديات في صياغة الرد المناسب على التقرير والمشاركة في تفعيل الخطط  المناسبة لهن!

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s