و يستمر العطاء يا هيئتنا الصحية

في وقت ما قبل خمسة أعوام تقريباً فاجأتنا إدارة المستشفى حيث كنت أعمل بتعميم صادر بضرورة إصدار بطاقات ترخيص من الهيئة السعودية للتخصصات الصحية ليتم تصنيفنا المهني كممارسين صحيين بحسب مؤهلاتنا، وعند سؤالنا عن الداعي لضرورة إصدار البطاقات وكلنا سعوديون وخريجون من الجامعات المحلية أو من جامعات أجنبية وقد تمت معادلة شهاداتنا الأجنبية من الجهات الرسمية المسؤولة، لم نجد أي إجابة شافية سوى وجوب سرعة التسجيل استجابة للتعميم الصادر، وعليه فقد تقدم بعضنا بطلب إصدار بطاقات الهيئة بينما رفض البعض الآخر، وذلك لعدم وجود أي ضرورة ملزمة أو منفعة من إصدار البطاقات، لكنني لم أجد مفراً من إصدار البطاقة، فلا يوجد أي ضمان لما قد يصدر أيضاً بعد ذلك فجأة من تسريح أو فصل لمن لم يمتثل أو ما شابه، وبعد زيارات عدة لمقر الهيئة وكما هو متوقع ومعتاد في مثل تلك الإجراءات من ضياع لبعض الأوراق في الطريق إلى المسؤولين فيها، فوجئت بضرورة دفع مبلغ مالي للحصول على البطاقة، وعند سؤالي لِمَ يجب أن أدفع مثل هذا المبلغ المرتفع؟ قيل لي كلما ارتفعت الشهادة المتحصل عليها المتقدم ازدادت المبالغ المدفوعة! أما لماذا تذكرت التسجيل في الهيئة الآن وحدها من بين خيبات الأمل الأخرى التي واجهتني كما واجهت غيري من العاملين في القطاع الصحي، فهو ذلك الخبر المنشور في صحيفة «الرياض» للاحتفاء بذلك «الصرح» المقام لتطوير الأداء المهني وإثراء الفكر العلمي في مجال التخصصات الصحية المختلفة، يقول الخبر إنه مع توسّع برامج التدريب في المملكة في السنوات الأخيرة «ربع القرن الماضي تحديداً من عمر الهيئة» أدرك المسؤولون أهمية وجود هيئة سعودية مستقلة تقوم بوضع برامج التدريب والإشراف عليها وتقويم المتدربين وتأهيلهم، وكانت للهيئة السعودية للتخصصات الصحية أيضاً مهمة وضع الضوابط والمعايير الصحيحة لممارسة المهن الصحية وتطويرها، ويقول الخبر إن عدد البرامج المعتمدة 56 برنامجاً تدريبياً حتى تاريخه، وهناك ضمن الخبر عدد كبير من الأهداف التي تعمل بموجبها الهيئة، وتشمل تشجيع إصدار البحوث والمقالات والمجلات العلمية، وتقويم الشهادات العلمية والصحية، وعقد الندوات والمؤتمرات الصحافية لمناقشة المشكلات الصحية واقتراح الحلول المناسبة، وإصدار الشهادات المهنية كالزمالة والدبلوم بالتعاون مع الجهات المعنية، ووضع الأسس والمعايير لمزاولة المهن الصحية، والموافقة على إنشاء الجمعيات العلمية المتخصصة، وليس من بين الأهداف أي هدف يمكن أن يخدمني شخصياً أو أي ممارس صحي في مجال عملي السابق، سواء من ناحية تطوير الأداء المهني أم إثبات قيمة إضافية وظيفياً لمؤهلاتي بانتسابي إليها، وفي العالم أجمع تعمل الجهات الرسمية المكلفة بالإشراف على مؤسسات القطاع الصحي بموازنة خاصة من الدولة وليس من المنتسبين للقطاع الصحي، ولا توجد مؤسسة إشرافية تتلقى مبالغ مالية من العاملين في مجال ما سوى النقابات المتخصصة، وهذه تعمل مع فئات متخصصة لتطوير أدائهم الوظيفي عن طريق عقد المؤتمرات المتخصصة وورش العمل وتشجيع الأبحاث العلمية والنشر وتلقي النشرات الإلكترونية أو الورقية في مستجدات العمل، والهيئة السعودية هنا لا تماثل أي جهة، فهي بداية ليست كهيئة الغذاء والدواء التي تضع ضوابط البحث العلمي أو التراخيص ولا تتلقى أي مقابل من العاملين في مقابل ما تقوم به، وهي أيضاً ليست جهة تخدم فئة معينة من الممارسين الصحيين، فالجميع عندنا على اختلاف تخصصه يدفع ليتم تسجيله على رغم اقتصار معظم المؤتمرات على الأطباء، ومما أراه منشوراً على موقع الهيئة يمكن الاستنتاج أن الهيئة هي مقر تصنيفي للمهن الصحية وجهة لمنح تراخيص للمنشآت التعليمية الصحية، ولها دور تنسيقي للمؤتمرات والامتحانات الطبية، بينما تقوّمها وتدعمها جهات أخرى، في ما عدا ذلك لا أجد لها أي دور كنقابة متخصصة تفيد الممارسين الصحيين كأفراد على اختلاف تخصصاتهم، وهناك الساعات المعتمدة التي تطلبها الهيئة من كل شخص لتجديد تسجيله، وهي مفارقة مضحكة في ظل انعدام الورش والدورات التدريبية للقطاع الأكبر من العاملين وعدم إلزام الجهات الصحية المسؤولة عن التوظيف بتوفير مثل هذه الدورات، نحن نسبق هنا الزمن، فنطلب توفير ساعات معينة من التعليم في كل مجال لتجديد التراخيص بينما لا نلزم أي جهة بتنظيم وتوفير مثل هذه الساعات المتخصصة في كل المجالات التي نتقاضى أموالاً من المنتسبين إليها، وللخروج من هذا المأزق فالهيئة تكتفي بأن يحضر المنتسب إليها أي دورة أو ندوة صحية لضمان إعادة التسجيل حتى ولو لم ترتبط بمجال عمل الشخص بأي شكل، التشتت في عرض أهداف الهيئة السعودية يؤكد أزمتها وهي أزمة رؤية، فهي ليست جهة متخصصة تستطيع أن تخدم فئة بعينها بل هي تشمل تحت مظلتها جميع العاملين في القطاع الصحي من أطباء وفنيين وغيرهم بلا أي خدمة متخصصة لأي منهم، أفهم مثلاً أن أدفع رسوماً لجهة ما لقاء فرصة حضور مؤتمر علمي في تخصصي قد يسهم في تطوري المهني أو فرصة لقاء الباحثين والاطلاع على مستجدات العمل أو حضور دورات تدريبية معتمدة أو حتى الحصول على نشرة بريدية أو إلكترونية تفيدني في مجال عملي، على أن يكون انتسابي تطوعياً وليس إجبارياً وأن أعلم مقدماً ما ستقدمه تلك الجهة من خدمات خاصة بي وليس بالقطاع الصحي ككل في المقابل، أما أن تأتي الهيئة بعد ربع قرن من إنشائها وتسرد في خبر صحافي – يسبق حضور الملك لمناسبة ما تقيمها – عدداً من الأهداف العظيمة التي تقوم مؤسسات أخرى بالفعل بأدائها أو أن تقوم بسرد أهداف ما زالت حتى بعد ربع قرن في طور الإعداد والتحديث فهذا بالفعل أداء يستحق التوقف والتأمل، حتى لو استطاعت الهيئة بعد نشر الخبر الصحافي أن تحصل على موازنة تعادل 15 مليوناً لمدة ثلاث سنوات مقبلة كدعم خاص لأنشطتها، وهنا أتوجه إلى القائمين عليها بإعادة النظر في مبدأ الرسوم التي يتقاضونها من الممارسين الصحيين في مقابل خدمات غير موجودة ولا تفيدهم الآن، في ظل حصول الهيئة بالفعل على ما يمكنها من أن «تستمر في العطاء»، بحسب الشعار المؤثر والمنشور على موقعها الإلكتروني.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s