وعد أوباما بعد وعد بلفور

في مصادفة غير متوقعة، وبعد وقت قصير من خطاب أوباما الشهير للعالم الإسلامي، قابلت سليمان الفلسطيني، وسليمان هو دكتور العلوم الفيزيائية في «ناسا» الأميركية، الذي التحق حديثاً بالعمل مع المؤسسة العملاقة بعد حصوله على الدكتوراه من أوروبا، مر بنا سليمان وزوجته واستأذن في أن يجالسنا، وفي التعريف بنفسه بادر بإخبارنا بأنه من أبناء غزة، وانجرف في حديث لا يمكن أن تسمعه سوى من ربيب للحرب والاحتلال.

فقد سليمان ابنه الأكبر في القصف الأخير على غزة، ومضى يصف لنا – نحن الأغراب العابرين – معاناته وأسرته الممتدة بعد فقدان منزله وتدميره في القصف، وما يميز قصة سليمان التي تتشابه مع قصص الحروب كلها باختلافات نسبية هو تلك الهالة من الهدوء والثقة التي يسرد بها تفاصيل قصته المؤلمة وقصص الشهداء والمحرومين من أبناء غزة، تلك الثقة التي أنكرتها إحدى الجالسات، التي استبعدت بعدها أن يكون تفاعله مع أحداث مهولة كفقد الأبناء والأهل والممتلكات طبيعياً، خصوصاً مع قصر المدة الزمنية للحادث، فلا أحد يجلس لشرب القهوة وهو يحكي تفاصيل مقتل ابنه، بينما تستمع زوجته إليه كما لو كانت تتابع حلقة تلفزيونية معادة، إلا أنني أرى أن كل ذلك طبيعي تماماً.

يحكي سليمان مأساته لتبقى حية كوسيلة تكيف مع ألم الفقد، يقحم ذكرى من فقدهم في كل ساعة وفرصة ليجلبهم معه ويعيدهم إلى واقعه – حتى بعد رحيلهم – فيظلون أحياءً معه على الدوام، كما تبدو مظاهر التعلق بالآخرة واضحة في حديثه، فلا تخلو جملة له من آية أو حديث، وهو يؤكد على التزام أهله وعائلته كلها بمظاهر الدين وقام يعدد منهم حفظة القرآن والدعاة والفقهاء ومنهم ابنه الطفل الراحل، وهو ينتظر أن يأتيهم الله بالنصر بعد ثباتهم في وطنهم وثباتهم على دينه، وهو الملمح المؤلم للمحبطين في واقعهم، فالهروب إلى الآخرة وكل ما يعد به الدين من حياة طيبة وجزاء عادل في الآخرة هو الملجأ الأخير – والوحيد – لهم في واقع بائس بلا أمل.

ولا غرابة هنا في أن يجد المتشددون أرضاً خصبة للنمو، فهل هناك أكثر من اليأس والحزن وخيبة الأمل والخوف ليجد المحرومون عذراً في التخلص من حياة عقيمة يحتويها الألم بتفجيرها طوعاً أو كرهاً على أبواب الشهادة؟

يحكي سليمان عن خيانة المسؤولين وتنازعهم وعن ضياع قضيتهم بين العداوات والخصوم والأطماع، ويؤكد أنه بعد تجربة مؤسفة في العمل مع حكومته فهو يفضل ألا يعمل لأجل وطنه في المكان نفسه الذي يعطيه لقمته أو يمنعها إذا ما شاء، سليمان سعيد بالعمل في أميركا ويزعم أنها دولة العدل التي منحت رجلاً مثله لا يحمل شيئاً سوى علمه فرصة للحياة بكرامة له ولأسرته، وبالرغم من نيته العودة يوماً ما إلى غزة إلا أنه لا يأمل كثيراً في قيادته أن تحقق شيئاً ما لأبناء وطنه، وهو ما يعود بنا إلى خطاب أوباما الشهير الذي علق الكثيرون عليه فيما يخص دعوته إلى حل الدولتين بالكثير من التشاؤم، فمعظم الفلسطينيين في دول المهجر لا يرضيهم هذا الحل ولا يستطيعون أيضاً العودة والحياة بشكل مستقر في غزة والضفة الغربية، وفي ظل الغموض الواضح في أوضاع القيادة الفلسطينية فلا يبدو الوضع مبشراً بأي استقرار ما للفلسطينيين وللدول العربية التي تتعامل مع توابع هذا الوضع المؤلم لعقود طويلة.

فالمتابع يشاهد قيادة حماس تدخل في مفاوضات منفصلة، بينما تدخل قيادة فتح في مفاوضات أخرى للأهداف ذاتها، فكيف يمكن إصلاح الشأن الفلسطيني في ظل تشتت قياداته واختلافاتهم؟

عندما ذكر أوباما في خطابه أن إسرائيل لن تذهب إلى أي مكان لم يكن يقرر سوى الواقع، والسؤال الآن ما هو قرار الفلسطينيين؟ هل يستمرون في التطلع إلى مطلب الدولة الفلسطينية الموحدة والقتال في سبيلها حتى الفناء أو الإبعاد كما سبقهم أسلافهم أم يقبلون بمبدأ التعايش مع دولة إسرائيلية تتفوق عليهم زمنياً وعلمياً ومدنياً في العمل المدني والعسكري والسياسي المنظم؟ لم تصل إسرائيل إلى التقدم الذي وصلت إليه اليوم كدولة ديموقراطية وحيدة في الشرق الأوسط ودولة صديقة سياسياً وسياحياً للمجتمع الدولي ككل إلا كنتيجة حتمية لعمل منظم ومخلص من قياداتها بالرغم من حروبها المستمرة على جميع الجبهات، والدور الآن هو دور الفلسطينيين الذين عانى من بقي منهم في بلاده ومن هاجر بعيداً عنها من العواقب الأليمة للشتات والفرقة بكل أنواعها.

لا يحتاج الفلسطينيون الآن إلى الخطب الرنانة والشعارات الحماسية التي لا تغادر أفواه وآذان مطلقيها ومن يستمع إليهم إلى أرض الواقع، يحتاج الفلسطينيون إلى وطن لهم ولو كان متضائلاً وأقل كثيراً من أحلامهم العادلة، وطن يحمل شكلاً ما من أشكال الاستقرار، يستطيعون أن يصنعوا فيه مستقبلاً ما آمناً لأهلهم وأبنائهم، يستطيعون فيه أن ينتجوا مشروعاً حضارياً وليس عسكرياً للدولة المدنية لينتقلوا من حالة الشتات المدمرة إلى حالة من الأمن الإنساني تكفل لهم أن ينتقلوا بأحلامهم من الآخرة إلى الدنيا، ليس من السهل قبول الخسارة على شعب عانى كثيراً بلا وجه حق سوى لضآلة الفرص أمامه في زمن ما، تحمل اليوم الأمتار القليلة المتبقية للفلسطينيين فرصة أخيرة تبقى على ضآلة إمكاناتها بداية لتحقيق حلم الدولة المستقرة، وربما تحمل لهم أملاً ما في أن يجتمع تحت لوائها كل العقول المهاجرة والأرواح المشتتة بعيداً من أوطانها، وربما يصبح عندها للفلسطينيين أرضهم الموعودة كما أصبح لأعدائهم، وربما تصبح أيضاً تلك الأمتار القليلة، كما قال سليمان، مقياساً للعدالة في هذا العالم المضطرب بأهله وبأعدائه.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s