هل نحن ظاهرة صوتية؟

لمن يذهب ولاء العربي ودعمه؟ هل يذهب لمن يحمل الديانة أو اللغة أو الجنسية أو حتى الانتماء العرقي نفسه؟ هل تطور فكر العربي ووعيه كنتيجة حتمية للتعليم وزيادة المعرفة عبر فتح قنوات التواصل؟ أم لا يزال رازحاً تحت قيود العاطفة والعشوائية بعيداً عن المنطق والوعي الصحيح؟ لماذا لا يزال مفهوم الأخلاق مبدأً عاماً، وتبني مبادئ العدالة وحقوق الإنسان مكفول حصرياً في ذهن العربي لفئات معينة، وغير قابل للتطبيق خارجها؟

ثلاثة أحداث في الفترة السابقة تعكس المفاهيم العامة في الساحة، التي حفزت مثل هذه الأسئلة، الشقاق الحادث بعد كارثة جدة، كنتيجة لتصريحات بعض رجال الدين واعتبار الكارثة عاقبة طبيعية لانتشار المعاصي – كما يفهمها بعضهم – والاختلاط في جامعة «كاوست» الجديدة، والشقاق الحادث على أرفع المستويات بين الجزائر ومصر على خلفية مباراة كرة قدم، والحرب الدائرة في جنوب المملكة مع الحوثيين. في كل من تلك الأحداث يقرأ المتابع كثيراً عن وعي السياسي والإعلامي ورجل الشارع، كما يدرك أيضاً تلك القيم التي تحرك الشعوب هنا، والمؤسف في كل تلك الأحداث هو أن التحرك الشعبي العام لا تحكمه المعرفة، بل على الغالب العاطفة والولاء الأعمى. في حادثة كرة القدم مثلاً كان من المستغرب للغاية تناول الإعلام المصري لها في البرنامج الشهير «القاهرة اليوم» بشكل يفوق أهمية كارثة غزة، فالتغطية التي قدمها معدو البرنامج للتهديدات ومبالغات المشجعين الجزائريين ضد المصريين لم تتوقف عند حدود مسؤولي الأمن ومنظمي المباريات الرياضية كما يفترض، وفي أيام قليلة اشتعلت تصريحات الإعلاميين ونخبة القوم بالتهديد المضاد، وسمعنا تصريحاً من مسؤول رفيع المستوى يختزل فيه الشعب الجزائري كله في ذلك الحدث، ويشكك في عروبتهم وانتمائهم، وعلى رغم تناقض تصريحه مع مبادئ الديبلوماسية التي بفترض أنه يمثلها بحكم موقعه، ومبادئ التحقق من الوقائع قبل تعميم الأحكام، فلم يتوقف أي من المتحاورين ليمثل قيم المنصب الذي يحمله، والتأثير الذي سترسله كلماته لملايين المتابعين. هل تستحق مشادة حول كرة القدم أكثر من عرض سريع للحدث وشجباً – على أسوأ تقدير – للعنف كقيمة وليس للشعب؟ ما الذي تركه رد الفعل من مشاعر ومواقف عدائية – غير مطلوبة أو متوقعة – بين الشعبين الجزائري والمصري؟ لماذا لم يستحضر أحد خلال هذه المشادة الإعلامية قيم الرياضة والتفكير المنطقي، في عدم تعميم تصرفات فئة على عموم الناس؟

أما في كارثة جدة فقد غاب بالفعل دعم السلطة الدينية الحاضر بقوة في غالب المواقف المحلية، حتى في افتتاح المؤسسات العلمية، فيما حضر – في غير محله – للتذكير بأن نزول المصائب محصلة للذنوب، حتى أن بعض الأقلام الإعلامية المنتسبة للتيار الديني لم تجد أفضل من السخرية من التسميات التي يطلقها أهل جدة على معالم مدينتهم، للتعليق على الكارثة باستخفاف واضح بحجم الكارثة، فهل يفهم المتابع أن أهل جدة أقل في الفضيلة وخارج حدود ولاء رجال الدين؟ ليس لأبناء مدينة منكوبة فقط، بل للأخوة في الإسلام والوطن وفي الإنسانية على العموم؟

حرب الحوثيين من جهة أخرى حدثت بشكل مفاجئ نسبياً، وغاب دور الإعلام بداية في عرض أسباب ودوافع الحرب بشكل دقيق، كما غاب عندما أصبح من نحاربهم ليس مجموعة مخالفة لقوانين التنقل والسفر، بل مجموعة تحمل اعتقاداً ما، ولم أسمع من قبل ولا غيري عن الحوثيين كجماعة مستقلة، وإن كنت وغيري نعلم عن اختراق الحدود الجنوبية بكثرة، فقط من نسبة المتسولين وقصصهم في منطقة الحرمين وفي جدة، وليس من التغطيات الإعلامية، لم نكن نطلق على أي منهم أي تسمية سوى مخالفين لقوانين الإقامة أو متخلفي العمرة أو الحج، وفي النهاية تم تقديم المخالفين بوصفهم تنظيماً دينياً أو سياسياً – لا نعلم بالضبط – فهل فاتنا شيء؟ الكيفية التي تتناول بها بعض وسائل الإعلام الصراع في الجنوب تعكس لنا أن هناك فئة دينية تحاول احتلال المنطقة، ما يجعلنا نتساءل هل معركتنا لها جانب ديني؟ أم أننا نحارب الحوثيين لاختراقهم الحدود؟

هل نستطيع، بوصفنا سياسيين أو إعلاميين أو حتى أفراداً من هذا الشعب، أن نرتقي بمستوى وعينا لكي يصبح ولاؤنا ودعمنا ليس لأشخاص أو مناطق أو اعتقادات مذهبية، وإنما للمبادئ الإنسانية التي تكفل حقوق الجميع، ولا تختزل – كما في كارثة جدة – أو تضخم – كما في مباراة مصر والجزائر – الأحداث لتلبسها ثوباً عصبياً تحت أي اسم، ولسنا بالتأكيد بحاجة إليه؟نحن هنا أكثر من أي وقت مضى نحتاج إلى صوت المنطق وإزالة الصخب والفوضى حولنا، في اعتقاداتنا ومعاركنا المفروضة علينا، نحن بحاجة إلى ما يحملنا إلى مكان أفضل وأعلى ولا يجذبنا من جديد للوراء، ونحن بالتأكيد لسنا بحاجة لأن نوصم بأننا ظاهرة صوتية فقط، كما وصفنا عبدالله القصيمي في وقت ما، قبل عشرات السنين.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s