هل تحققت العدالة؟

على خلفية قضية مازن عبدالجواد وتداعياتها يثار كثير من الأسئلة، أوّلها بالطبع هو ذلك الاستنكار العجيب الذي أثارته القضية وكأننا لا نعلم ولا ندري بوجود مازن بيننا، أو كأن ممارساته الخاصة لا يمارسها عشرات أو آلاف غيره من السعوديين، والحكم الذي أصدرته المحكمة أخيراً على مازن وأصدقائه في القضية يؤكد ذلك الاعتقاد الغريب، فهل هناك أكثر من 100 جلدة عقاباً للزاني غير المحصن بنص القرآن؟!

وعلى رغم ذلك نسمع باستمرار عن تلك العقوبات الصادرة بأريحية شديدة وكأن هناك دافعا ًما خلاف تطبيق قانون الدولة والنص القرآني خلف العقوبة، هل عاقب القضاء مازناً وأصدقاءه، أم انتقم في شخص مازن وأصدقائه من الفضائيات لترويجها برامج مرفوضة والخروج على العلن بكل ممارسات الشباب الممنوعة والمختفية عن الأنظار؟

هل كانت 1000 جلدة والسنوات الخمس عقاباً لمازن بذاته، أم لآخرين لن تطالهم يد العقاب؟ لم يجد مازن من يسانده حين تقدم معتذراً ومقرّاً بخطئه أمام القضاء، بل كان عموم الناس سعداء محتفين بالمحاكمة وكأنهم يؤكدون بذلك نقاءهم وعفتهم التي خدشتها اعترافاته على الهواء، وهو وإن أخطأ بممارساته وبقراءته للآداب العامة في مجتمعه – والأهم بقراءته لصدقية وحرفية المحطة التلفزيونية التي تعامل معها – إلا أنه في النهاية لا يعدو أن يكون مثل كل مخطئ ممن سبقوه إلى ذلك الفعل ولهم أحكام قرآنية وقضائية واضحة، والقول بأننا كمجتمع تخدشنا اعترافات مازن وأصدقائه وتروج للفاحشة بيننا يخالف المنطق والواقع، فهو شخص واحد من عدد كبير من السعوديين يمارسون الفعل نفسه، ونراهم في كل بلد حولنا، أو مكان تختفي فيه أو تقل سلطة القانون، بل وحتى داخل البيوت السعودية، وقصص العاملات المنزليات لدينا أكبر شاهد.

المنطق نفسه يفرض ألاّ نعالج كل تصرف برد فعل انتقامي وكأننا نعبر عن «صدمة وهمية» في مجتمعنا المثالي، فلم ينبت بيننا مازن فجأة من مكان ما، وهو في النهاية شخص من أبناء ذلك المجتمع نفسه الذي يغذي ويتابع هذه البرامج المعروضة المستنكرة على القنوات الفضائية الموجهة لنا من مكان ما.

نحن نبحث عن كل ما هو مختفٍ ومجهول ونبذل له الوقت والمال، وحين يظهر لنا نهاجمه ونتهمه بالترويج للفواحش ونعاقبه وقتها بوصمه بكل ما هو فيه وكل ما ليس فيه، هل سيخرج لنا مازن، الذي تقدم بعد عرض البرنامج معتذراً بطيب خاطر، بعد سنوات السجن و1000 جلدة، شخصاً نقياً عفيفاً كما يريد المجتمع والقضاء؟ أذكر هنا شاباً اكتشفت إصابته بالإيدز أثناء عملي وتم استجوابه طبياً لمعرفة تاريخه المرضي والأشخاص المتعرضين للإصابة، وأذكر صراحته الشديدة في ذكر تفاصيل إصابته وعلاقاته الخاصة، تلك الصراحة التي مكنتنا من الوصول للأشخاص المعنيين وعمل التحاليل اللازمة لهم وتحديد إصابتهم بالعدوى من عدمها، وكلي ثقة بأن ذلك الشاب لم يكن ليمدنا بأي معلومة لو علم أن هناك عقوبة ما بانتظاره – خلاف إصابته بالإيدز – ثقة ذلك الشاب في الطاقم الطبي هي التي مكنتنا من ممارسة عملنا والتأكد من صحة الجميع وتدارك الخطأ الحادث، أتوقع أن مازن حمل الثقة نفسها في معدّي البرنامج وكانت صراحته على الهواء هي المحصلة لتلك الثقة، على رغم أن القانون الذي نال من مازن وأصدقائه هو القانون نفسه الذي لم ينل من البرنامج ومعديه بأي شكل من الأشكال، وإن كان هناك أي خلل فهو بالتأكيد مقصود ومعد مسبقاً، فمن قام بالإعداد لمثل ذلك البرنامج قدم خطة عمل مسبقة وحصل على موافقة ضمنية قبل الشروع في تصويره واختيار الشخصيات المختبئة بيننا قبل إظهارهم إلى العلن، ومن ثم تقديمهم ككبش فداء لتصحيح الخطأ الناتج.

العفو الصادر أخيراً عن الإعلاميتين السعويتين للبرنامج وتحويل قضيتهما لوزارة الإعلام هو الشيء الطبيعي والعادل في مواجهة عدم منطقية مئات الجلدات كعقوبة، ذلك العفو الذي لم ينله أي من الشباب المحكوم عليهم بمئات الجلدات وأعوام طويلة من السجن، وبعيداً عن عقوبات الجلد والحبس التي لم ينلها في النهاية سوى من أقرّ واعترف بخطئه، تلفت تداعيات محاكمة مازن عبدالجبار وزملائه الأنظار – بما فيها أنظار العالم – إلى ضبابية القضاء والقوانين هنا وعدم وجود رؤية واضحة لدور الإعلام وقدرته – أو عدمها – على عرض القضايا الاجتماعية بالصراحة اللازمة، كما تلفت النظر إلى الحاجة المستمرة في القضايا الخلافية لتدخّل أعلى سلطة في البلاد لإحقاق العدل والمنطق بلا أي تطوير حقيقي في أجهزة القضاء وقوانينه، وعلى الأخص في تلك القضايا المستجدة في الساحة السعودية، وأخيراً تلفت النظر إلى أنه لم تكن هناك جهة واحدة معنية بمصلحة الأشخاص المعنيين بالقضية بقدر ما كانت هناك عشرات الجهات المحتفلة بالعقوبة المبالغ فيها كوسيلة وحيدة للتقويم والإصلاح، فهل هذا حقيقة كل ما نهتم لأجله؟

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s