هل أغلقت الثقب؟

ي كارثة هي الأسوأ من نوعها في العصر الحديث تدفقت آلاف الجالونات من الزيت وما زالت تحت خليج المكسيك نتيجة لخطأ غير مقصود من شركة استخراج الزيت البريطانية، الآثار المرعبة لتدفق الزيت تثير الآن الكثير من ردود الأفعال المختلفة، أعادت الكارثة التي لم تستطع كل جهود الشركة احتواءها حتى الآن آثار الاعتماد المطلق للعالم على النفط والكوارث المخيفة التي تنشأ من عمليات التنقيب واستخراج النفط.

الكارثة التي بدأت من بضعة أسابيع بمحاولات مستميتة من الشركة لإخفائها والتهوين من حجمها هددت في غضون وقت قصير موسم الصيد والسياحة في الخليج الشهير، مع ما يتوقع حدوثه من كوارث بيئية أخرى في الولايات الأميركية المطلة عليه وعلى الأخص «لويزيانا» التي لم تبرأ بعد من آثار إعصار قاتل في الأعوام السابقة، الشركة البريطانية «بي بي» الحاصلة على امتياز التنقيب عن النفط في خليج المكسيك لم تلتفت إلى نداءات متعددة أطلقها العاملون على منصة الحفر بخصوص آليات التحكم في البئر، مع ما تلا ذلك من تسرب في نيسان (أبريل) الماضي لغاز الميثان والذي أدى تجمعه إلى حدوث احتراق في المنصة وانفجار كامل، وفقد في الحادثة 11 عاملاً من عمال التنقيب، الحريق الذي ظل مشتعلاً لمدة 36 ساعة انتهى بغرق منصة التنقيب بنهاية أبريل، وتبع ذلك ظهور أول علامات تسرب الغاز إلى سطح المياه.

رد فعل الشركة كان الأكثر إثارة لردود الأفعال، إذ لم تفلح محاولاتها المبدئية لإرسال مركبات تحت الماء لإغلاق البئر وإيقاف التسريب، كما رفضت الشركة توضيح ملابسات الحادثة، أو حتى تأثيرها على البيئة المحيطة، على رغم تسرب ما يقارب من 126 مليون جالون من الغاز، أو ما يقارب 200 ألف برميل يومياً بحسب تقدير الشركة المبدئي حتى الآن، إلا أن الصور المنشورة لبقع الزيت البرتقالية وهي تطفو في أشكال سريالية فوق سطح الخليج أثارت المزيد من الانتباه لحجم الكارثة.

ولا يعلم العلماء حالياً على وجه الدقة التأثير الفعلي لنتيجة عمليات المكافحة وترسيب بقع الزيت في أعماق الخليج على البيئة البحرية، خصوصاً أن العواقب بعيدة المدى قد تستغرق زمناً طويلاً لتتشكل، ويستطيع الآن سكان المناطق المحيطة بمناطق التسرب أن يشموا رائحة الغاز ويشاهدوا لمعانه البرتقالي في مياه المصارف وعلى بواقي الأمطار الساقطة في ولاية لويزيانا على الأخص.

الموقف السياسي الرسمي في أميركا كان متعقلاً وسمح للشركة البريطانية بحرية التحري والتحرك لمعالجة التسرب، ولم يعتبر الرئيس الأميركي الحادثة مسببة لأي موقف سلبي من الحكومة البريطانية، وبحسب القوانين قام الكونغرس الأميركي باستدعاء رئيس مجلس إدارة شركة الزيت البريطانية لسؤاله عن تفاصيل التسرب وجهود المكافحة، كما أوقف قرار سياسي عمليات التنقيب الأخرى في الخليج المتضرر.

جلسة الاستجواب الساخنة وعلى الأخص في مواجهة اتهامات أعضاء من الجبهة الديموقراطية للشركة باستخدام أساليب تنقيب رخيصة وغير آمنة لتحقيق الربح واختصار الوقت كانت مثار تحليل إعلامي كبير، كما أبرزت الاتهامات عدداً من الرسائل الإلكترونية التي أرسلها مهندسو الشركة قبل الحادثة للتحذير من «كارثة قريبة في البئر»، التخمينات المبدئية أكدت أن أجزاء عدة في المرقاب، التي كان من المفترض أن تعمل كصمام أمان للتحكم في إغلاق البئر، لم تعمل يوم الحادثة وليس فقط جزءاً وحيداً، والفشل الذي أبداه رئيس مجلس إدارة شركة الزيت في مواجهة الأزمة أدى إلى استبعاده وتعيين رئيس جديد، الذي بدأ مهمته بروح مختلفة وقام بتعيين فريق متعدد الجنسيات من أصحاب الخبرة للتعامل مع الأزمة، كما قامت الشركة بتوفير رصيد كبير يعادل 20 بليون دولار للتأكيد على جديتها للتعامل مع حجم الأضرار المتوقعة.

أثارت تلك الحادثة الانتباه إلى سياسات العمل الداخلية لدى الشركات الكبرى وتعاملها المبني على الربح فقط وعدم اهتمامها بأمن العاملين أو الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة، وتناولت التعليقات في الساحة الأميركية مدى الحاجة إلى تفعيل السياسات الدولية للحد من أطماع الشركات الكبرى ومراقبة أساليب الأداء، وعلى الأخص تلك العاملة في المجال البيئي.

الأميركيون الآن يدركون بسبب الكارثة أهمية التقليل من الاعتماد على الصناعات النفطية وتبني أساليب حياة أكثر مراعاة للبيئة بشكل أفضل كثيراً من كل حملات التوعية البيئية، توافد على خليج المكسيك آلاف المتطوعين للمشاركة في عمليات حماية وتنظيف الشواطئ وتشكلت عشرات الجمعيات من المواطنين وبإدارة أطفال في أحيان كثيرة لحشد الجهود والأموال لحماية البيئة البحرية في الخليج المتضرر.

رد فعل الرئيس الأميركي للأزمة أتى مطمئناً بتشكيل إدارة خاصة من البحرية الأميركية لمعالجة آثار الكارثة في المناطق المنكوبة وبالنسيق مع إدارات الولايات المحلية، وأكد على أهمية الإعداد الجدي لتبني أساليب الطاقة النظيفة، وعبّر بصراحة عن أن مشاريع تبني الطاقة النظيفة قد تم وأدها في الكونجرس مراراً بواسطة «لوبي» الصناعات النفطية.

وبالتأكيد وبالمقارنة مع الكثير من الدول الأوروبية التي اتجهت بالفعل إلى تطبيق سياسات الحد من الاستخدام المفرط للصناعات البترولية تبدو الولايات المتحدة بأسلوب الحياة الاستهلاكي المتخم في مستوى منخفض للغاية، وليس هناك وقت أفضل من الآن لتفعيل مثل تلك السياسات وتبنيها، ربما وضعت الأزمة الإدارة الأميركية في موقف حرج أمام المتضررين من سكان الولايات المنكوبة، وعلى الأخص بالنظر إلى ضخامة الموارد المطلوبة للتعامل مع تداعيات الأزمة التي لن تكفي الأسهم المتهاوية لشركة الزيت البريطانية في توفيرها، إلا أن الوقت لا يمكن أن يكون أكثر ملاءمة من الآن لدعم سياسات حماية البيئة البعيدة عن الشارع الأميركي ولدعم سياسات العمل الآمن، وحتى ذلك الوقت سيتطلع الأميركيون إلى رئيسهم كما تفعل ابنته كل يوم بتساؤل: «أبي هل أغلقت الثقب؟»

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s