نصف العمى أهون

أول ما تبادر إلى ذهني إثر صدور قرار وزير الداخلية بالسماح للنساء بالاطلاع على أوراق الهوية الرسمية لأوليائهن لتيسير استخدامهن لها في معاملاتهن الرسمية، هو المقولة الشهيرة لنيل أرمسترونغ أول رائد فضاء أميركي يضع قدمه على القمر: «هذه خطوة صغيرة للإنسان، وقفزة عظيمة للإنسانية… وأهمية القرار الذي سيتيح لآلاف النساء في بلادنا التخلص من «عضل» الولي، .
القرار يتيح للمعلقات والمطلقات والأرامل حق الحصول على هوياتهن الملحقة بهويات أزواجهن، أو أوليائهن للتسجيل في المؤسسات التعليمية، والالتحاق بالوظائف، واستخراج أوراق رسمية للأطفال، وتسجيلهم في المدارس… وبالنظر إلى بساطة وأهمية تلك الأمور التي كانت غير متاحة للعديد من النساء قبل صدور القرار يمكن تقدير حجم استغلال سلطات الولي ضد المرأة، والتي أهملتها القوانين المعمول بها لوقت طويل،

القارئ المتأمل في الهدي القرآني والنبوي الشريف يدرك أن الإسلام كرّم المرأة ومنحها حقوقاً أكثر مما تحلم به وأكثر مما تنادي به المنظمات الدولية الحالية المتطرفة مادياً… والقصة الشهيرة للمرأة التي راجعت النبي عليه الصلاة والسلام في أبيها الذي زوجها وهي كارهة، ثم بقيت مقولتها «إنما أردت أن تعلم النساء من خلفي أنه ليس للآباء من أمر بناتهن شيء» إهداء للنساء من بعدها وإثباتاً لرقابة المرأة الذاتية على حياتها في الإسلام، .
الرجل الذي كلفه الله بالرعاية والإنفاق وألزمه القيام على شؤون أطفاله حتى بعد الطلاق، لم تلزمه القوانين الوضعية بذلك بشكل قاطع بل أتاحت له الفرصة للتهرب لانعدام وسائل فعالة لتطبيق القوانين،
هذه السنة شهدت بعض الإضافات الطيبة في مصلحة النساء متمثلة في قرار وزير الداخلية الذي رفع بعضاً من المعاناة، وأعاد للمرأة حقاً من حقوقها، وهناك قرار قاضي المدينة الذي ألزم أحد البنوك بتحويل جزء من معاش رجل إجبارياً لأولاده بعد الطلاق، …
فاجأتني محدثتي التي تشغل منصبا ًمميزاً بأننا كمسلمين لا نحتاج إلى حركات تمكين المرأة، بل نحتاج إلى تفعيل دور الرجل الغائب في حماية حقوق المرأة، وهي ترى أن المرأة لن تحتاج إلى تمكين إذا ما قام وليها بإعطائها حقوقها كما شرعها الله، فالمسلمة لم تستثن من حق التعلم والتكسب والحصول على دخل مستقل، ولكن القوانين الوضعية هي التي أحوجتها إلى وكيل للتعامل في أمورها المالية، وإلى ولي لاستخراج هويتها والموافقة على تعليمها أو توظيفها، كما أن حاجتها للتكسب يجب ألا تكون ملحة إذا كان الولي ينفق عليها، ويوفر لأولادها الحياة الكريمة حتى في حال حدوث الطلاق، … .

الغريب أن أيدي النساء المقيدة تثير العجب من عدم قدرتهن على التصرف السليم في حال حاجتهن لذلك، فالكاتبة ليلى الأحدب تتوجه في أحد مقالاتها باللوم الشديد لإحدى الأمهات التي طالب طليقها بالطفل بعد بلوغه سن السنوات السبع، ثم تدهورت حال الطفل بعد انتقاله لمنزل والده، وزوجة أبيه حتى وفاته بعد فترة في إحدى المصحات النفسية، والكاتبة لا تتوجه باللوم للأب بل تتوجه به للأم، وتلومها على استسلامها للأب وتسليمه الطفل، وعدم دفاعها عنه ما أدى لوفاته وحيداً في المستشفى النفسي.
..زليس الأمر متروكاً لاجتهادها الشخصي، وقدراتها الخاصة فقط، فربما لم تستطع الأم الإنفاق على الطفل، أو ربما مانعت أسرتها في الاحتفاظ به، فالعديد من الأسر تسمح للمرأة بالعودة إليها حال الطلاق، ولا تسمح لها بمرافقة أطفالها لها، على اعتبار أنهم مسؤولون من الأب مهما عنى ذلك من احتمالات تفريط الأب وزوجته الجديدة في رعاية الأولاد.

القارئ للمقال المصاحب لقرار وزير الداخلية الذي استطلع تأثير القرار على عدد من السيدات المعلقات والمطلقات، لا يملك سوى التعجب مما يمكن أن يلجأ إليه بعض الرجال إذا ما منحوا سلطات على امرأة، والقرار الصادر على قيمته وأهميته هو أقل من المأمول، إذ كان الأمل أن يتم تعميم وتفعيل بطاقات الهوية الخاصة بالنساء لإجراء معاملاتهن الرسمية والمالية، وإتاحة الفرصة للمرأة لاستخدامها وتفويضها لرعاية الأطفال من دون الداعي إلى هويات الأولياء، ولكن يبقى قرار وزير الداخلية إضافة للنساء تستحق الاحتفاء، وكما يقال «نصف العمى أهون من العمى كله».

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s