نساء جدة غير

في برنامج «بلا تحفظات» لمقدمه أنتوني بوردين، يرسل آلاف المشاهدين عبر العالم دعواتهم للمقدم، وهو كاتب ومسافر عالمي وإعلامي، للقدوم إلى حيث يعيشون، والتعريف ببلادهم وتراثها لبقية المشاهدين، ومن بين ألف وثلاثمائة متسابق يستقر اختيار أنتوني على أربعة متسابقين نهائيين، من بينهم دعوة مقدمة من دانية ابنة مدينة جدة السعودية، ويتساءل أنتوني في تقييمه النهائي للدعوات الأربع النهائية، هل يوجد بلد في العالم يجهل حقيقته الأميركيون ولا يتعاطفون معه أكثر من السعودية؟
يقف أنتوني موضحاً لجمهوره كيف أن اختيار السعودية بدا له الأكثر تحدياً في هذا الوقت بالذات، حيث هي موطن ثلاثة عشر شخصاً من الخمسة عشر المدانين في تفجيرات نيويورك في الحادي عشر من (أيلول) سبتمبر، تقبل أنتوني تحدي دانية برؤية السعوديين في واقعهم اليومي الحقيقي، حيث بدت جدة للوهلة الأولى في عيني أنتوني كمدينة فيجاس الأميركية، مدينة صحراوية لا تتوقف عن النمو… تستقبل دانية وزوجها أنس أنتوني وطاقم البرنامج في منزلهما، وتوضح له طبيعة الحياة الحديثة التي يعيشها معظم السعوديين اليوم في منازلهم، يمنح أنتوني دانية التصرف الكامل في إخراج البرنامج واختيار مشاهده، وهو غير مستغرب، بما أنها أول سيدة سعودية تحصل على تصريح لافتتاح مؤسسة للإنتاج الإعلامي في المملكة، تقدم دانية لضيفها ومشاهديه جولة متنوعة بالفعل في مدينة جدة، تفتتحها بإفطار تقليدي في أحد المطاعم الشعبية في البلد – الجزء القديم من جدة – وتقوم بشجاعة بمشاركة ضيفها في تناول إفطار من الكوارع والمحاشي، على رغم عدم تقبلها له، يلتقط أنتوني في السوق مظهر السيدات المتشحات بالسواد الذي يخفي ملامحهن من حوله، والتي لا يلحظ مثيلاً له في أي مكان آخر في العالم، ويسجل تناقض ذلك الواقع مع ما اعتاد عليه كابن لحضارة مختلفة تؤمن بحرية اللباس للجنسين، ولكنه يقرر، على رغم ذلك تقبله لمنطق حماية المرأة خلف تلك العادات، ويسجل أنتوني بالمقايل إعجابه بزي الرجل هنا، فهو فضفاض مريح بلون فاتح يمتص الحرارة اللاذعة في المنطقة، ويحظى بثوبه السعودي الخاص على يد خياط محلي. يرحل طاقم البرنامج بعدها لتخفيف الحرارة اللاذعة على متن قارب يشق بحر جدة، يقوم عبدالله بتعليم أنتوني كيفية الصيد باستخدام البندقية تحت الماء، وتغوص دانية وأنتوني لاكتشاف ثراء البحر الأحمر واصطياد السمك، لا يوقف جمال المناظر الطبيعية أنتوني عن ملاحظة تمسك دانية بزيها المحتشم حتى تحت الماء، ولا يخفي أيضاً تأثير البحر وجماله في هدم توقعاته الصحراوية الجافة عن المدينة، وبالطبع لا تكتمل زيارة البلد القديمة من دون زيارة بيت نصيف، يتقابل أنتوني مع المهندس سامي نوار «المكتبة الحية»، كما تسميه دانية، والذي يطلعهم على بعض المعلومات عن بيوت جدة القديمة وعن المدينة، ويقارن المهندس سامي جدة التي استقبلت الزوار على مدار مئات السنين كبوابة للحرمين بمدينة نيويورك الأميركية، مما يجعلنا نتساءل عن تلك المفارقة في ذهن المشاهد الأميركي، في أفضل غرفة في بيت نصيف القديم، ويحظى أنتوني بوليمة شهية من المندي المعد بالطريقة التقليدية، وتتوقف الوليمة حتى إتمام الصلاة، في مشهد مؤثر يعلق أنتوني على أهمية الصلاة التي يترك الجميع هنا كل ما يشغلهم لأدائها معاً في صفوف خاشعة خمس مرات في اليوم، ويؤكد أنتوني على جمال الصلاة وتأثيرها القوي عليه كمشاهد غربي، ويصل أنتوني في مشاهدته لطقوس الصلاة إلى الفهم الحقيقي لطبيعتنا، هنا يحكم الإيمان والدين ملامح الحياة، حول الوليمة الشهية التي حازت على إعجاب أنتوني، الذي يخرج بالمزيد من الملاحظات عن حس المرح لدى الناس واستعدادهم للدعابة والسخرية حتى من أنفسهم، يتعجب هنا وهو يلاحظ جو المرح الراقي السعيد للمجتمعين حول الطعام والمتناقض مع ما اعتقده سابقاً بسبب الإعلام عن السعوديين كشعب متعصب ومتجهم. تأخذ دانية أنتوني في المحطة القادمة لسوق الجمال، وتعرض له في نبذة سريعة أهمية الجمال للعرب، ومكانتها اليوم التي جعلتها تحظى بمسابقتها الخاصة المعروفة بمزايين الإبل، تختار دانية لضيفها جملاً صغيراً لوليمة حاشي تقليدية، وفي الوقت نفسه زارت مع ضيوفها في البرنامج أحد المجمعات التجارية الحديثة، حتى لا يعتقد المشاهدون بأن السعودية هي هذا العالم التقليدي القديم فقط، تتمكن دانية من التغلب على أنتوني في مباراة للألعاب الالكترونية المغلقة، وتعوض عليه خسارته بعشاء في مطعم البيك الشهير، يتوقف أنتوني أمام مدخل العائلات، ومدخل الأفراد ويتساءل: هل هناك افتراض مسبق لسوء النية حتى ينفصل الشباب عن العائلات؟ فسرت دانية ذلك بالتقاليد المحلية، وبأنها يوماً ما ستتطور مع الزمن! تصطحب دانية البرنامج إلى رحلة صيد ضب في البر، حيث الرياضة المفضلة للشباب، هنا هي القيادة الوعرة على التلال الرملية، ولا يتعجب أنتوني كثيراً بالنظر إلى أسعار الوقود هنا، تصل وليمة الحاشي أخيراً، ويتشارك في الوليمة الهائلة مجموعة من ضيوف دانية وأصدقائها الذين أصبحوا الآن أصدقاء أنتوني أيضاً، ولا يفوت على دانية أن تشير إلى أهمية المشاركة والعائلة في المجتمع السعودي، وهو بالضبط ما تختتم به دانية جولتها، عشاء أسري تسهم في إعداد أصنافه السعودية التقليدية سيدات العائلة والصديقات، على مائدة من الطعام السعودي والحجازي الخال. يصل أنتوني إلى نهاية رحلته، ويعلق قائلاً: «من كان يعتقد أن السعودية ستكون مكاناً ممتعاً، وأن مواطنيها المختلفين عنه في ثقافتهم واعتقاداتهم يمكن أن يكونوا أيضاً أصدقاء يستمتع بقضاء الوقت معهم»، يتأكد لأنتوني أن ليس كل ما يراه على الإعلام صحيحاً بالمجمل، فالواقع أكثر إنسانية وأكبر مما يصفه الإعلام، السعوديون كما اكتشفهم أنتوني هم أشخاص فخورون وودودون ومرحون ويسهل التعامل معهم، ويقول ليس من الضرورة أن أتفق مع من يختلف عني حتى أحبه وأحترمه… لا ينسى بالطبع أن يشكر مضيفته دانية التي استطاعت، على رغم قيود عدة على النساء في مجتمعها، أن تصل إليه في برنامجه وإلى آلاف المشاهدين لتقدم الصورة الإيجابية الحقيقية لبلادها، البرنامج الإعلامي، الذي قدم تاريخنا وقيمنا وبناتنا وأبناءنا بشكل غير مباشر، سيعمل بالتأكيد على نشر التأثير نفسه الذي عرفه أنتوني لآلاف الناس حول العالم. هل هناك من يشكك لدينا بأهمية النساء كصانعات للحضارة، وشريكات في التنمية، وواجهات إيجابية للوطن بعد ذلك؟

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s