كيف نبني وعيا موضوعيا؟

في مواجهة مطالبات الإصلاح والتغيير كثيراً ما تتردد فرضية عدم استعداد الناس هنا وتهيؤهم لنظام متطور لصناعة القرار والمشاركة فيه، ناهيك عن فعالية الديموقراطية كنظام عام للتمثيل السياسي، ويتم طرح هذه الفرضية غالباً كسبب وعلة وحيدة لصعوبة إشراك المواطنين في صناعة القرار، وخلال برنامج تدريبي قابلت «ستيسي»، وهي شابة أميركية فخورة تدرك مكانة بلادها اليوم في العالم، وما تمثله لكل شخص أميركي ولكل شخص من أي دولة أخرى أيضاً.

نشأت «ستيسي» في أسرة مسيحية متدينة وبسيطة مادياً، وأكملت تعليمها الجامعي معتمدة على قروض من الدولة، وعملت بعدها في مجال حماية الصحة من التلوث البيئي، وهي تأمل بأن تنتسب يوماً ما إلى إحدى المؤسسات العاملة في حماية البيئة، والمثير في حواري معها هو بالضبط ما تشير إليه المقولة في مقدمة هذا المقال، فلم تحصل ستيسي على أي تهيئة إضافية في السياسات الخارجية لبلادها، أو في المشاركة السياسية أو المجتمعية، بل على العكس تتمحور طفولتها وشبابها في التعلم من أجل وظيفة ما، والسعي للكسب والعمل، فهي ليست واحدة من العاملين في الإعلام أو السياسة، ولم تشترك يوماً في أي أحزاب سياسية لأي غرض ما، والخطوة الوحيدة التي شاركت فيها في عمل سياسي هي تصويتها أخيراً للرئيس الأميركي باراك أوباما. على أن غياب مشاركتها السياسية بشكل كبير، أو بساطة إعدادها التعليمي أو الأسري، لا يعني غياب وعيها السياسي، فعلى مدار ثلاث ساعات دار بيننا نقاش متفرع حول العديد من الأمور على الساحة السياسية العالمية، وأهمها ما عرضته من آراء في سياسة بلادها الخارجية وآمالها من حكومتها في المستقبل، ولم يقتصر ذلك على ما تأمله لنفسها فقط ولكن لكل الأميركيين وحتى للإنسانية عموماً، فهي تطرح بكل موضوعية آراءها مدعمة بالحجج التي أثيرت حول السياسات الخارجية المدمرة لبلادها على صعيد العلاقات الدولية، وفشل القيادة السياسية السابقة في احترام قوانين حقوق الإنسان وتحمل المسؤولية عن اختراقاتها للقوانين المحلية والدولية، وسردت واقعة سجن غوانتامو كمثال على فشل القيادة في تحمل مسؤولية السجناء السياسيين هناك، واختيارها أرضاً أجنبية للخروج من ضرورة المحاكمة العادلة بحسب القانون الأميركي.

أشارت ستيسي، أثناء طريقنا المحفوف بالغابات الجميلة، إلى خوفها من تجاهل السياسيين أهمية الحفاظ على البيئة وعدم تفعيل سياسات عامة للتقليل من غزو المناطق الصناعية والسكنية على المساحات الخضراء، وأشارت إلى التناقص التدريجي على مدار السنين لتنوع الحياة الفطرية لتعاظم استهلاك البشر لمصادر الغذاء والطاقة، وعلقت على عدم الاستثمار الفعال في أبحاث مصادر الطاقة، أو تفعيل قوانين تقلل من استهلاك العوادم والوقود، كما تفعل الدول الأوروبية الآن مثلاً، وكرد على تساؤلي لها حول إمكان تصعيد ملاحظاتها لصانعي القرار في بلادها، عبر التعاون مع المنظمات المحلية المهتمة بحماية البيئة، أجابت بأن ذلك وإن تم فلا يعني بالضرورة جدية التعامل مع مثل تلك القضايا، وذلك لتعارضها مع مصالح كبرى الشركات المستثمرة في العقار والصناعة وغيرهما، وهي تمثل جماعات ضغط لها ثقل كبير في صناعة القرار السياسي، بالرغم من تعدد الأحزاب والحرية الظاهرة على الساحة الأميركية المحلية، فجماعات الضغط الأميركية لدى الكونغرس الأميركي لا تعمل دائماً لأهداف نبيلة، بل تقف خلفها مصالح أخرى بعيدة عن مصالح المواطنين، كمصالح شركات الأدوية والعقار والتأمين والبنوك التي تسببت في نشوء معضلات كبيرة في إدارة الأموال والقطاعات الصحية وغيرها.

والمغزى من هذا الحديث أن مشاركة المواطن في صياغة قراراته المصيرية وإدارة حياته ليست رهناً بوعيه الخاص وقدرته على فهم الأمور في واقعه، والنتيجة النهائية لأي واقع سياسي – بالرغم من أهمية الوعي لدى المواطن – هي محصلة عامة للعديد من الأمور، تشمل بداية وجود دستور واضح يمثل الأهداف والمبادئ للدولة ووجود وسائل للنقد والتطوير، وتمكين المواطن من إدراك الحقائق بشكل كافٍ لضمان مشاركته بشكل سليم في إدارة شؤون الدولة ومنظماتها المختلفة. أما كيف استطاعت ستيسي تلخيص مشكلات بلادها في المرحلة السابقة وتحديد الأهداف التي تأمل أن تتحقق في المرحلة المقبلة فذلك هو الجزء الأهم هنا، فلم يكن لها بسبب التعليم فقط أن تنشئ ذلك الوعي، ولكن تعدد وسائل الإعلام والفكر وثقافة الشفافية في تعامل المسؤولين مع المواطنين وحرية الحصول على المعلومات بموجب القانون أتاحت لهذا الوعي أن يتشكل، فليست هناك ممنوعات على التداول الإعلامي ولا خشية من الغزو الفكري، الفكر الأفضل هو الذي سيبقى وهو الذي سيحظى بالدعم.

العمل السياسي الذي يحقق نتائج ملموسة للشعب هو الذي سيحصد الأصوات، والشخص في موقع المسؤولية يتصرف ويقرر تحت نظر الإعلام وعينه، كل ذلك يخلق لدى المواطن البسيط المنغمس في معالجة مشكلاته اليومية، في منزله ومصنعه ومكتبه وفي كل مكان، القدرة على التمييز والتفرقة بين الغث والسمين.

وبالعودة إلى السؤال المطروح في بداية المقال يمكن الإجابة بأن العلة ليست في المواطن ولكن في ما يعلمه عن واقعه، فهو يستطيع دوماً الحكم والتمييز بموضوعية على سياسات بلاده وتوجهاتها، والمشاركة أيضاً في ذلك تحت إضاءة كافية وتنوير يزيل الغموض والظلام المحيط بواقعه اليومي سواء بمسؤوليه أو بمؤسساته، يحوّل التنوير المواطن السلبي إلى مواطن فعال، ويضمن أن يكون ولاؤه في المكان الصحيح، تماماً كما ذكر «مارك توين» في مقولته الشهيرة «الولاء يجب أن يكون للوطن دوماً وللحكومة عندما تستحقه».

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s