كشاف عبده خال

هناك الكثير من الجدل حول ما الذي يصنع الوعي، وهل هو أمر مكتسب من خلال التعليم والإعلام مثلاً، أم هو أمر فطري يظهر بصورة أكبر في مجتمعات حرة متسامحة؟
يمكن الإجابة عن ذلك السؤال من ملاحظة ما يخرجه وعينا المحلي من منتج أدبي أو ثقافي يعكس واقعنا، ومقارنته بما قدمه أبناء دول أخرى من الأدباء والإعلاميين والمفكرين، شيء ما يخلد الحارة المصرية القديمة التي تجدها حية في روايات نجيب محفوظ، أو ينقل واقعها الحديث كما في روايات صلاح الأسواني، أو يرسم ملامح القرية المصرية كما في روايات  محمد عبدالحليم عبدالله.
في أدبنا المحلي هناك منطقة مضيئة كشفها لنا قلم عبده خال الذي تخلد رواياته مناطق جدة القديمة والجديدة بخليطها المميز من البشر، يرسل قلم عبده خال للقارئ رؤيته التنويرية، ورفضه لجمود المجتمع في مواجهة المتغيرات عبر عبارات منتقاة في رواياته، ويثبت لنا أن الأدب هنا في عالمنا قد يصبح بالفعل أحد رواد الإصلاح أو التغيير، وربما الصوت الآخر المتصاعد هنا إلى جانب صوت الوعظ الديني، والأدب قد يشكل محوراً قادماً ومهماً في المجتمع المدني.
فاجأني عبده خال مدرس المرحلة الابتدائية بكتابته المبدعة وأسلوبه القوي، هو في رواياته ليس ذلك المدرس المتوجه للطفل، وليس ذلك الصحافي الصريح المشغول بهموم البسطاء والضعفاء في مجتمعه، في روايته «فسوق» يعرض للقارئ جريمة اختفاء جثة بعد دفنها، ويستغل عملية التحقيق في الجريمة كحبكة روائية مميزة ليقدم تقريراً وافياً عن كل من شخصيات الرواية التي اختارها بذكاء، فهناك شخصية الضابط والفيلسوف والهارب إلى الله عبر الجهاد، شخصيات مستقرة في أعلى المجتمع، وشخصيات متململة في أسفله، وبالطبع هناك المرأة زوجة وحبيبة وابنة، وعلى رغم تفاوت تلك الشخصيات… إلا أنه استطاع أن يشملها ويعرضها في التحقيق بعبارات قليلة وقوية، قلمه صريح حتى الخدش والإيلام، لا يخفي شيئاً ولا يجامل، يحدث القارئ بتشبيهات أدبية جميلة وحزينة في الغالب ولكنها قريبة وشعبية تصله باللغة الدارجة، يكشف لنا شخصياته كما هي بلا رتوش، قمة في البراءة أو قمة في الإثم، ويبهرك بعباراته القليلة المنتقاة التي كثيراً ما تحمل القارئ على إعادة التفكير في الكثير من المسلمات.
أعجبني كثيراً عرضه للحوار بين المنطق والقوة في قضية ضبط الهيئة لرجل وامرأة معاً، تمثل المنطق في ضابط الشرطة المكلف بالتنفيذ والذي يرى عدم إقامة دعوى إلا ببينة واضحة، وتمثلت القوة في رجل الهيئة الذي يرى إقامة الدعوى والأخذ بمبدأ سد الذرائع ولو لم تظهر بينة، ويعرض الكاتب هنا من خلال قضية شائعة لأحد الأمور الأكثر تداولاً في الإعلام حول الدور التنفيذي للهيئة الدينية ومدى مناسبته للحفاظ على الأمن في مجتمع أكثر تعقيداً وتطوراً، كما يقدم لعواقب الأحكام التنفيذية الصارمة لممارسات لم تصل بعد لمستوى الجرائم، وضع الكاتب خريج القانون الذي لم يجد له مكاناً ما منطقياً في حماية الحقوق والدفاع عنها في وظيفة الضابط المكلف بتنفيذ القانون، والذي تفاجأ بأنه لا يعدو أن يكون سوى أداة لتنفيذ القانون بلا سلطة للدفاع أو النقد ربما لإبراز التناقض والخلل الموجود في الأنظمة الجزائية المعمول بها. أما أفضل العبارات فتلك التي يمررها الكاتب على لسان شخصية الفيلسوف الذي يحمل الدكتوراة في الأدب، ذلك الذي يعيد أسباب الحوادث والجرائم إلى افتقاد الحريات والعدالة، وينشغل الفيلسوف بمشكلة جمود المجتمع وانتهائه كنتيجة للاستنساخ، وليس ذلك الاستنساخ بمعناه العلمي المعروف، ولكن بمعنى أن يصبح جميع أفراد المجتمع نسخاً متماثلة تفكر في الاتجاه ذاته وتستخدم المصطلحات والعبارات نفسها.
الكاتب هنا هو بالفعل الابن البار لمدينة جدة، صاحب الفكر المتنوع الذي يعكس ثقافة المدينة بتعدد مشارب أهلها وزوارها، ولا يمكنني أيضاً سوى الإعجاب بما أورده الكاتب أيضاً على لسان إحدى الشخصيات حول «صناعة عجينة الخيانة»، تلك القيود ومصادرة الحقوق التي يمارسها المجتمع والأهل على النساء، ثم ينتظر بعد ذلك منهن الالتزام والانضباط والعفة، في لقطات سريعة رسم الكاتب علامات الشك والخوف والانتقام التي تمر بعلاقة الرجل بالمرأة، سواء ابنة أو زوجة أو حبيبة، مجبراً القارئ على مساءلة نفسه كما تساءل أبطال الرواية!
تحمل رواية «فسوق» على الإجمال الكثير من اسمها، ففيها خرجت أو «فسقت» شخصيات عدة من ثوب الصلاح و النقاء إلى ثوب آخر وبالعكس، واختيار الاسم وحده على ما أعتقد كان مكسباً للرواية، ليس فقط كعامل جذب بعنوان مثير ولكن للدلالة على تحولات الشخصيات فيها، والأمر المظلم الوحيد في الرواية كان في عرض الكاتب لمظاهر الموت ومشاهده كخلفية لأحداث الرواية، وهو ما يترك القارئ أكثر ضعفاً وذلاً وإدراكاً لهيبة الموت وفظاعته، وربما استخدمه الكاتب كرمز للتحذير من نهاية المجتمع الجامد.
إن اكتشاف عبده خال كان بالنسبة لي ككاشف ضوء مسلّط على مجتمع أعيش فيه ولا أعايشه، وعلى رغم عرضه لنماذج متطرفة أحياناً إلا أنها تصور رسالته التي يحاول تمريرها عبر كتاباته، وبالعودة إلى صناعة الوعي الذي بدأت به هذا المقال، فالقارئ هنا لا يملك أمام تجربة إثارة الوعي والإدراك التي عاشها في الرواية سوى أن يستنتج أن الوعي ليس سوى نتيجة إحساس فائق بالواقع المحلي والإنساني، كما يستشعره عبده خال، ذلك الوعي الذي يدرك مواضع الخلل ويعمل على محاربتها ولو بإظهارها وكشفها، بالقدرة على نقل الواقع المحلي بالذات، والقدرة التي وضعت نجيب محفوظ المغرق في المحلية في مصاف العالمية، ربما تضع يوماً ما إلى جواره ابن الحارة السعودية ومدرس الأطفال عبـده خال.

One Response to كشاف عبده خال

  1. Hala قال:

    تحققت تلك النبوءة في نهاية المقال و نال عبده خال بالفعل جائزة البوكر العربية للعام 2010 عن روايته “ترمي بشرر”، و إن كنت لا أزال أعتقد بأن روايته فسوق هي أفضل ما كتب

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s