عودة الابن الضال

هل تحولت سفن الإنقاذ الدولية إلى غزة إلى طُعْمٍ يُوقع إسرائيل في مأزق حرج؟ الحادثة التي تعرضت لها سفن الإغاثة الدولية، وعلى الأخص بالنظر إلى المهمة الإنسانية التي تحملها السفن وطبيعة الناشطين على متنها، أثارت الكثير من ردود الأفعال والتحليلات التي تسلط الضوء على سياسات إسرائيل الفعلية، ولم تبد التبريرات الإسرائيلية حول الحادثة كافية لإرضاء المراقبين ولا العزف المستمر على وتر ردع حماس أو الإرهاب الإسلامي. ولم يكن مقنعاً للعالم أن يبتلع ذلك التبرير بعد أن شاهد إسرائيل تفتح نيرانها على ناشطين عزل وتوقف من نجا في سجونها، العمل غير المبرر بداية تبعه عمل إنساني غير متوقع أيضاً، إذ قامت إسرائيل بفتح المعابر المحيطة بغزة من كل الجهات وتيسير تمرير المساعدات الإنسانية.

والمتابع لا يمكنه أن يفهم السياسة التي جعلت إسرائيل تعترض بداية طريق سفن الإغاثة الدولية ثم تسعى إلى تمريرها في ما بعد، وبينما تستعد إيران بإصرارها على المضي في برنامجها النووي لتلقي المزيد من العقوبات الدولية – بعد جولة ناجحة أخيراً لوزير الدفاع الإسرائيلي في أروقة واشنطن – تستعد تركيا لإرسال سفن جديدة من المساعدات الإنسانية لغزة في تحدٍ واضح لإسرائيل وعدم اعتبار لمصير النشطاء الدوليين والأتراك، هناك بالتأكيد حلقة ما غائبة في الأحداث الأخيرة وعلى الأخص بالنظر إلى تحالف إسرائيل وتركيا السياسي السابق، بسبب حادثة الهجوم الإسرائيلي على سفن الإغاثة أصبح الدعم الذي تقدمه أميركا لإسرائيل محط إعادة تقويم من الخبراء السياسيين الأميركيين أنفسهم، وعلى رأسهم أنتوني كوردسمان، الذي نفى أن تكون علاقة الدعم المطلق الذي تقدمه بلاده لإسرائيل مبنية على مصالح مشتركة بين البلدين، في تحليله للوضع عزا المحلل المصلحة التي يمكن لإسرائيل أن تقدمها لأميركا في كون السياسات الإسرائيلية مستقرة ومبنية على أساس من السعي إلى السلم، إذ تستطيع إسرائيل في جو من الاستقرار السياسي أن تزود أميركا ببعض المعلومات الاستخبارية، وبقليل من التفوق العسكري تستطيع أيضاً أن تدعم توازن القوى العسكرية في المنطقة لمساعدة بلدان معينة كالأردن مثلاً.

أما الجانب الأخلاقي في علاقة أميركا بإسرائيل فهو في مشاركتهما في القيم السياسية نفسها ودعم الديموقراطية التي قام عليها البلدان، وعلى رغم الدعم الأميركي المستمر لإسرائيل لإبقائها اقتصادياً وعسكرياً في مكانة متفوقة على جيرانها غير الديموقراطيين إلا أن ذلك الالتزام تجاه إسرائيل لا يبرر اختباره من إسرائيل ودفع حدود صبر أميركا على خروقاتها السياسية طوال الوقت، إذ يتساءل المحلل إن كان التزام أميركا يعني الدفاع عن سياسات إسرائيلية مهددة للسلم كقصف لبنان أو الإصرار على تهويد القدس كاملة أو عدم الإذعان لمساومات السلام مع جيران إسرائيل أو الاستمرار في بناء المستوطنات في الضفة الغربية.

كل تلك الاختراقات في سياسات إسرائيل تضع أسئلة حول حدود علاقة الالتزام بدعم إسرائيل، وما إذا كانت ستؤذي المصالح الأميركية والقيم الديموقراطية نفسها التي يفترض أن تدعمها، ويقرر الكاتب في تحليله أن الوقت قد حان لإسرائيل للتوقف ووضع المصالح الأميركية في اعتبارها، وأن تدرك أن عليها هي أيضاً واجبات تجاه أميركا وأهمها أن تعمل لتحقيق الرؤية الأميركية في تحقيق سلم مع الفلسطينيين، وألا ترفع درجة المواجهة مع إيران من دون السماح لها بذلك من الإدارة الأميركية.

باختصار يضع الكاتب إسرائيل في مكانة الابن الضال ليذكره أن عليه واجب الخضوع والطاعة لوالده الذي قام على تربيته وأغدق عليه الفرص كلها، فلا يصح أن يتعدى رأي والده أو حكمته ويقابله بالجحود، وفي النهاية ليست إسرائيل سوى جندي مطيع للإدارة الأميركية ومن واجب تلك الإدارة أن تذكرها بذلك كلما اجتازت خطوطها الحمر، تلك العلاقة المعقدة المزروعة في جسد المنطقة العربية تثير أكثر من تساؤل حول القيم المشتركة، فليس هناك ضمان لعدم عقوق إسرائيل وانفرادها بقراراتها السياسية بعيداً من حدود الطاعة وهي في خط المواجهة المباشر مع دول وشعوب مختلفة في القيم السياسية والمذهبية، ليس هناك شيء ما يلزمها بأن تذعن لإرادة أميركا إن أحست بالخطر من إيران النووية أو تركيا بسفنها الإنسانية.

إن اختارت الولايات المتحدة الاستمرار في سياساتها الداعمة لإسرائيل – كدولة وحيدة في منطقة الشرق الأوسط – على مبدأ غامض يفتقر للديموقراطية وعلى حساب مصالحها الخاصة، فمن الصعب أن تبرر الإدارة الأميركية لملايين الأميركيين كيف تحول جوهر العلاقة الأخلاقي بين الدولتين من دعم الدولة الوحيدة التي تتمتع بنظام ديموقراطي في منطقة الشرق الأوسط إلى دعم الدولة التي لا تمانع في مواجهة ناشطي السلام والمتظاهرين العزل بالنيران، والتي صنعت سجناً كبيراً لملايين الفلسطينيين بجدارها العازل بما يثيره من رغبات انتحارية التي دفعت المنطقة إلى سباق تسلح نووي أدى إلى فوضى عسكرية حقيقية بدلاً من السلام المتوقع وتوازن القوى، فهل يتجه العالم الآن مرغماً إلى العدالة السياسية كسبيل وحيد لتجنب دمار شامل في المنطقة صنعته اختيارت متحيزة وغير أخلاقية؟

هذا ما ستكشفه الأيام المقبلة حتى إذا ما قدمت إسرائيل المبادرات الآن للسلم كإشارة لعودة الابن الضال.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s