عندما خرجت حصة إلى العمل

تبدأ «حصة» يومها في الخامسة صباحاً، تستيقظ لتعد الإفطار لزوجها وطفليها وتعدهما للذهاب للمدرسة قبل أن توقظ زوجها للاستعداد للعمل، ترتدي بعدها معطفها الأبيض الطويل ونقابها الأسود الممتد بكل حشمة حول قامتها الضئيلة، وتستعد للذهاب مع زوجها للعمل في المستشفى، إن كانت محظوظة فسيتوافق دوامها مع زوجها العامل بوظيفة بسيطة مثلها في المستشفى نفسه، الذي حاول مع كل من يعرفه لإلحاقها بوظيفة معه في المكان نفسه حتى نجح، وعلى رغم مؤهلاتها المحدودة للتعامل مع متطلبات الوظيفة فإن كل من حولها مستعد لمساعدتها على تعلم مهام الوظيفة ومنحها وقتاً ما للتكيف، وفي الأيام التي لا يعمل زوجها معها في مواعيد الدوام نفسه تعاني حصة في إيقاظه أو البحث عن وسيلة مواصلات للعودة، فتستقل أحياناً سيارات الأجرة وهي ممتعضة مما تضطر لدفعه من راتبها الضئيل وأحياناً تقوم إحدى الموظفات بتوصيلها.

الحلم الذي تقاوم حصة بسببه طول الدوام وصعوبة المصطلحات الجديدة وتعلم العمل ومتطلبات الأسرة والأطفال التي تنتظرها حال عودتها هو الهروب من بيت أسرة زوجها المكتظ، تزوجت حصة في مراهقتها من زوجها وعاشت معه في منزل أسرته الممتدة، تسيطر أم زوجها على حياة كل الأولاد وزوجاتهم وقرارات تربيتهم لأطفالهم، وتقوم الزوجات جميعاً بالتناوب على مهمات البيت المتعددة وتلبية رغبات الجميع بمن فيهم أطفال الأسر الأخرى، قررت حصة التي لم تتح لها الفرصة بسبب زواجها الباكر في إكمال تعليمها أن تحصل على دبلوم في الكومبيوتر ولم تتوقف بعده عن السعي إلى الوظيفة والكسب.

فتح العمل لحصة الآن أبواباً جديدة، للمرة الأولى في حياتها تملك مبلغاً من المال، للمرة الأولى تشعر بسعادة لمعرفة انه يمكن التخلص من وضع صعب، تتوقف أحياناً عندما تجد نفسها عاجزة عن دفع نصيبها في جمعية ما مع الموظفين والموظفات، وتعدهم بالوفاء في بداية كل شهر جديد، إلا أن شيئاً ما يستهلك راتبها الضئيل في محيطها الأسري المزدحم والعطش، فتبقى وعودها جوفاء حتى توقف العاملون معها عن الشعور بالشفقة عليها وحتى تعلمت هي ربما للمرة الأولى مسؤولية الوعد وتدبير المعيشة.

حصة ليست المرأة الوحيدة في وضعها ذلك، فالكثيرات مثلها يتقن للخلاص من أوضاع لا يمكن التخلص منها سوى بالمزيد من الكسب والفرص الوظيفية، وإن أتيحت لحصة تلك الفرصة بمساعدة وعون من زوجها المحتاج ومعارفه في العمل فقد لا تتاح للكثيرات غيرها، ممن تضاءلت أحلامهن إلى محاولة إمضاء يومهن بأقل قدر من المواجهات والمشكلات، على أن المواجهات ليست سيئة دوماً، تجبر مواجهة الواقع الشخص رجلاً أو امرأة على مراجعة قناعاته.

حصة التي رأيتها تضحك وتتعامل مع زملائها وزميلاتها في الوظيفة بكل ثقة ليست هي المرأة نفسها التي بدأت العمل منذ بضعة أسابيع، أزالت ألفة العمل والمعايشة اليومية الكثير من الأوهام، لا تهتم الآن كثيراً لدعاوي حرمة الاختلاط التي تلاحقها في كل منشور ديني ولا للعرف الاجتماعي والأسري، ولا يبالي زوجها وأهله كذلك، اهتمامهما الآن منصب على تأمين حياة كريمة لهما معاً، هربت مخاوف كسر التقاليد من سطوة الفقر وشبحه وتنامي حاجة الأسرة الصغيرة، حصة الخائفة من الزوج وأهله وضغط الوظيفة والتصريح بعملها في مجال مختلط ليست هي حصة الآن التي تنظم الجمعيات وتقرر كيفية إدارة شؤون عملها في إدارتها الجديدة وتجادل رؤساءها أيضاً للترقية أو النقل إلى وظيفة أكثر كسباً، لا شيء الآن يوقف طموح حصة.

عرفت حصة الدرس الأهم في الحياة، السلطة التقليدية ترهبنا بالخوف والحذر، توهمنا وتخيفنا بأننا فريسة ستتعرض لا محالة للمطاردة، توهمنا بأننا خلقنا لتلبية رغبات الجميع، لنلعب دوراً محدداً ومرسوماً لنا مسبقاً، خروجنا عنه يعني عواقب غير معروفة واحتمالات مخيفة، على العكس تماماً خروج حصة أمن لها تحقيق حلمها، كل من انتقدها بداية أصبح الآن يطمح إلى مساعدتها، أدركت حصة أن من حقها أن تحلم وأن تعمل على تحقيق حلمها وأن ما يقف في طريقها ليست الفتاوى ولا التقاليد ولا حتى الأهل، كل ما يلزمها هو أن تحاول وتبدأ لتتوالى المعجزات.

أدرك أنا أيضاً أن خروج حصة وسعيها هو أول خروج لامرأة من عالمها وسيفتح الباب لمن بعدها، وأن قناعاتها الآن مختلفة وبشكل كبير عن قناعاتها السابقة، هناك الآن معيار ذاتي للحكم على الأمور بدأ في التكون بداخلها، هناك نقد مفيد ومساءلة عادلة لكل ما يرد إلى عقلها من أوامر وقيم من المجتمع المتواجه مع المتغيرات، ليست الأمور كما تخيلتها من قبل ولن تكون بعد الآن، والنقاش الدائر حالياً حول فتاوى اختلاط المرأة بالنساء أو حتى الرجال أو تحديد معاني الاختلاط من عابر وجائز وما إلى ذلك أو إرضاع الكبير ليست إلا ظواهر عابرة، ستقرأها النساء بعد اجيال عدة وتضحك كثيراً، فائدتها عادة هي إدراك مدى الخلل والتصميم على مخالفته وتصحيحه، المواجهات هنا متوقعة بعد عقود من تمرير وتثبيت قناعات قديمة وخاطئة عن النساء، الدور الآن الذي يمكن أن تلعبه المرأة ليس بمحدودية أدوارها في العصور السابقة، والمرأة الآن لم تعد خائفة أو يائسة من قدرتها على تغيير واقع سيئ، النساء اللاتي يلجأن بصورة كبيرة لدور الحماية واللاتي يصرحن في الإعلام بتعطل مصالحهن مع القضاء أو تعدي جهات مختلفة على حقوقهن تحت سلطة الحسبة أو حماية الأسرة أو غيرها هن الدليل على بداية عجلة التغيير، لم تعد حجة عدم مطالبة عموم النساء بحقوقهن أو كون المطالبة محدودة بعدد صغير كافية لتبرير التأخر في منحهن المزيد من الحقوق والصلاحيات.

لن تصمد سلطة التقاليد الواهية وفتاوى التخويف والرجعية أمام مطالب الناس الملحة، لن تستطيع أن تقنع أسرة بالبقاء في حدود الفقر وتحته قليلاً وتحت سلطة من يمنح أو يمنع بدلاً من البحث عن مخرج منطقي وآمن، ربما خلقت ثقافة المجتمع الرجعية في بعض طوائفه المجال لإنتاج أعداد كبيرة من النساء في أوضاع من الحاجة والفقر وتحت سلطة وتحكم الأسر، ولكننا الآن ندرك أن كل ما نحتاجه لإزالة هذا الوهم هو بعض من الوقت في وظيفة كريمة، وحصة هي الدليل على أن الأمر لم يأخذ أكثر من بضعة أسابيع لتتقلد إدارة حياتها على رغم سلطة التقاليد والخوف وقلة المهارة.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s