عالم حر

هل تدعم الأنظمة الديموقراطية حقوق المجتمع والإنسان، أم تزيدها فوضى واختراقاً؟ في محاضرة لأحد الباحثين في مؤسسات المجتمع المدني، أوضح أن نتائج بحثه حول هذا الموضوع تظهر أن الحريات غير مرتبطة بتطبيق الديموقراطية بل على العكس، إذ تُظهر دراسته ارتفاع معدل انتهاك الحقوق الإنسانية في الدول الديموقراطية، مما يعني أن الدول الديموقراطية لا تتمتع بمستوى عالٍ من الحريات في مقابل الدول غير الديموقراطية، وهو ما أثار بالطبع فضول الحاضرين، فإن كانت الديموقراطية كمبدأ تعني دعم حريات الأشخاص في تقرير المصير والمشاركة السياسية والاقتصادية والقانونية ودعم الشفافية في التناول، فذلك يتنافى بالتأكيد مع نتائج البحث.

البحث مبني بداية على إحصائيات تصدرها هيئة «بيت الحرية»، وهي هيئة أميركية مستقلة أنشأتها مجموعة من الناشطين الديموقراطيين لرصد مظاهر الحرية والتقدم السياسي حول العالم، تبني الهيئة رصدها، الذي تقدمه في تقرير سنوي، على استطلاع للتقارير المنشورة عن أوضاع الحريات السياسية والمدنية والشخصية، وتشمل الحريات السياسية مجموعة من الآليات أهمها وجود نظام سياسي منتخب بشكل نزيه وتوفر عدد من الأحزاب السياسية الفاعلة في المشاركة السياسية وضمان التمثيل لمواطني البلد كافة ومدى التزام الحكومة المنتخبة بالشفافية وتحمل المسؤولية عن قراراتها وعن تنفيذها، أما الحقوق المدنية فتشمل وجود مؤسسات إعلامية مستقلة، وهيئات دينية حرة تعكس رغبات المواطنين، ونظام تعليمي وقضائي وتنفيذي مستقل عن النظام السياسي، كما تشمل الحقوق المدنية حرية التعبير والنقاش المفتوح، ووجود نقابات عمالية مستقلة ووجود قوانين تحكم التعاملات المدنية والجنائية بلا تمييز، وحماية الأشخاص من التسلط السياسي والسجن بلا مبرر والنفي والتعذيب، وتشمل الحقوق الشخصية حرية التنقل والسفر والسكن والتوظيف والتعليم والتملك، وقياس تطبيق قوانين عدم التمييز بناء على الجنس أو العرق أو الدين، وتشمل الحريات الشخصية أيضاً الحماية من الفساد والغش الإداري.

يقوم التقرير الصادر عن المؤسسة بتقسيم الدول بحسب مدى التزامها بتنفيذ وضمان تلك الحقوق لمواطنيها إلى دول حرة أو غير حرة، ودول شبه حرة أو في مرحلة انتقالية، ويعرض بعدها النتائج على خريطة العالم المقسمة بحسب الحريات لكل سنة، حيث تظهر دول كاليمن والصومال وأفغانستان ضمن الدول شبه الحرة، وتقبع معظم دول الشرق الأوسط تقريباً في خانة الدول غير الحرة.

لماذا إذاً أظهر البحث أن تدهور الحريات مرتبط بالدول الديموقراطية؟ الإجابة البسيطة هي أن المعلومات التي تتوافر عن انتهاك الحقوق بشكل شفاف وموثق تظهر على الأغلب في الدول الديموقراطية، حيث تنشط مؤسسات حقوق الإنسان المستقلة والإعلام للتبليغ عن الانتهاكات الشخصية والسياسية، بينما تختفي الإحصائيات والأرقام في الدول التي لا تملك وسائل لمراقبة أداء حكوماتها، وعلى الأخص في مسائل الحقوق الخاصة والعامة، وبعيداً عن تبرير نتائج بحث المحاضر، فاللافت للنظر أن مفاهيم الحقوق الشخصية والعامة لا تزال موضع خلاف عالمي، وبالتالي تقع مفاهيم خرقها محل خلاف أيضاً، فلا يزال النقد مثلاً مثيراً للتوجس وكثيراً ما يتم إضفاء صبغة العمالة أو المؤامرة لكل من يمارس حق النقد على مؤسسات الدولة بما فيها الجهات المسؤولة عن تقييم الأداء.

إن المثال الأفضل هنا هو رد وزير الشؤون الاجتماعية على تقرير جمعية حقوق الإنسان حول أحوال مؤسسات رعاية الأحداث، فبدلاً من أن يستخدم الوزير ملاحظات الجمعية كورقة ضغط يطالب فيها بالمزيد من الدعم الحكومي لتطوير مؤسسات الرعاية انجرف في سجال إعلامي للدفاع عن أداء وزارته وتبرير القصور بأمور تنافي المفاهيم الأساسية لحقوق الإنسان، فالأحداث هم مرتكبو جرائم ولا يحمل أغلبهم الجنسية السعودية، وعليه فإن مطالبات الجمعية بمنحهم متابعة قانونية سليمة، وتمكينهم من التواصل مع أسرهم هي مطالب غير منطقية، فهل هناك خلل ما في فهم الحقوق الأساسية بعيداً عن تشخيص مستحقيها؟ كما نستطيع بالتأكيد تقديم مبررات عدة لكون المرأة عندنا كائناً خاصاً لا يماثل الرجل في الحقوق ولا يشارك في صناعة القرار بعيداً عن مدى استعداد الكثيرات وكفاءاتهن، إلا أن أياً من تلك المبررات لن تطابق مفاهيم عدم التمييز ضد المرأة في وطنها على أساس الجنس.

وتطول القائمة التي توضح مدى اختلاف آليات عملنا ونظرتنا لكل ما يخص الحقوق عن المواثيق الدولية التي نوقعها ونلتزم بتنفيذها في وقت ما ربما لا يأتي أبداً، ثقافة الحقوق على المستوى الشخصي على الأقل يجب ألا نعاني في فهمها أو تطبيقها أبداً، هنا في مجتمعاتنا التي تؤمن بحقوق الآخرين بعيداً عن التمييز أو الفساد أو الغش، كما ينص الدين، تثير مسألة تضاؤل الحريات الكثير من التساؤلات، هل هناك عدم إيمان من صانعي القرار بمنح المزيد من الحقوق حالياً، أم أنه عدم تقبل شخصي من المجتمع؟ هل لا زلنا في طور التكوين والنمو لاستيعاب مفاهيم المشاركة وتحمل مسؤوليتها على المستويين الشخصي والمجتمعي؟ ويبقى الأمر الأكثر أهمية هو كيف ومتى يمكن أن ننتقل كما انتقلت أفغانستان واليمن والصومال من خانة الدول غـــير الحرة إلى الدول شبه الحرة؟

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s