سلطة القانون أم حكم القبيلة

بالفعل «شر البلية ما يضحك»، انتهت فصول القصة المضحكة المبكية التي استغرقت عامين من المداولات القانونية المنهكة والمطالبات الإعلامية الفاشلة، انتهت أخيراً قصة أصغر زوجة في السعودية، وبدأت القصة بقيام الأب بتزويج ابنته ذات الثماني سنوات بدون علمها أو علم والدتها لرجل خمسيني.

مما دعا الأم إلى رفع دعوى لفسخ عقد الزواج، حيث رفضتها المحكمة لعدم الاعتداد شرعياً بوصاية الأم على الطفلة، بالرغم من كونها حاضنة لها ومنفصلة عن الأب وفي انتظار البت في دعوى طلاقها، أمضى قاضي عنيزة – الذي أصبح بسبب ذلك أشهر من نار على علم – ما فعله الأب وأخذ على الزوج الخمسيني تعهداً بعدم استلام الطفلة «الزوجة» إلا بعد أن ترشد، وطلب القاضي أن تحضر الزوجة بنفسها للاعتراض على الزواج إن أرادت في ذلك الوقت، وهو ما أثار تساؤلي: فإن كان الطلاق أو طلب فسخ النكاح حقاً للمرأة الراشدة.

فكيف يكون الزواج بداية ليس بمشورتها أو موافقتها حتى وإن كانت قاصراً؟ فهل يوحي لنا حكم القاضي بأن المرأة يمكن لها أن تُطَلَق بينما ليس لها أن تتزوج بكامل إرادتها؟ وبالرغم من رفع القضية لمحكمة التمييز ورفض محكمة التمييز المصادقة على حكم القاضي وإعادة ملف القضية للقاضي نفسه لإعادة النظر، إلا أن القاضي لم يغير حكمه المبدئي بالرغم من كثرة تداول القضية إعلامياً ومن ردود الأفعال الساخطة على الحكم، وفي معجزة ما صدر أخيراً خبر في الصحف عن صدور صك طلاق الطفلة التي أعتقد أنها أصبحت الآن أصغر مطلقة أيضاً، طفلة عنيزة انتهت قصتها أخيراً ليس بسبب عدالة أو سلطة القانون الذي استيقظ أخيراً.

انتهت القصة في النهاية بالطريقة التقليدية نفسها التي تنتهي بها مفاوضات ومناوشات القبيلة.

وبالعودة إلى كبراء ووجهاء القوم وفض النزاع بالشفاعات والوسائط، وأيضاً لمقام الوسيط، وهو هنا أمير منطقة القصيم، بيض الله وجهه، أبطال هذه القصة الأهم هم أم الطفلة والزوج الخمسيني والطفلة نفسها، والأم التي أهلكتها مطالبات المحاكم والقضاء لسنتين وأكثر واستجداء الإعلام والضمائر، لو علمت منذ البداية بسطوة وتأثير الشفاعة لاختصرت الوقت والجهد والمال أيضاً في التوجه للإمارة بدلاً من المحاكم التي لم تفض في النهاية إلى شيء، بل أثارت لغطاً إعلامياً واجتماعياً حول وصاية القُصر وتداعياتها عند غير المؤتمن. والبطل الحاضر بقوة والغائب عن الواجهة هو الزوج الخمسيني الذي صمد لعامين متتاليين أمام محاولات استجداء المنطق والمحاكم ومداولات القضية إعلامياً، ذلك الزوج الذي سارع قبل عامين في ثقة مدهشة إلى إضافة الزوجة الطفلة إلى دفتر عائلته، الذي لم تستغرقه الموافقة على الطلاق سوى لحظات معدودة في حضرة الإمارة، وهناك الطفلة التي حماها هنا صغر سنها ورحمة إلهية من زواج غير توافقي، ولا أتوقع استمرار الحماية أو نزع الولاية عن الأب مثلاً لحمايتها من مصير مماثل مستقبلاً، ولن يصبح لصغر السن بعد بضعة أعوام أي تأثير إذا ما قرر الأب مجدداً أن يقبض ثمناً ما من شيخ آخر، فالأب هنا ملك متوج لا ينازعه في الولاية الأم التي أنجبت وأرضعت وقامت بالتربية وحماية الطفلة من تلك الكارثة، بالرغم من معاناتها هي شخصياً في منازعات الطلاق.

وكان من الممكن لها – ومن الطبيعي في مثل حالتها – أن تؤثر نفسها ومصلحتها الخاصة وتترك له البنات والأولاد فيتصرف فيهم بما يرضيه ولا يعترض عليه القانون في مجتمع لا يعترف لها بحق الوصاية عليهم، بينما يعطي المزايا كلها للأب.

تسير بنا الحياة لا يعكر صفوها شيء إلا حين نسقط فندرك حينها مدى عجز الأنظمة عن احتوائنا، نحن نشهد الآن تطوراً ما في مفاهيم الأداء، ولكنه تطور إلى الوراء.

فعندما تعجز وتفشل القوانين والأنظمة لا نقوم بتطويرها، بل نعود بدلاً من ذلك إلى حكم وعرف كبراء القبيلة، فالأنظمة والقوانين مقدسة لا يمكن المساس بها وإن أخلت بدورها في حماية الناس وتقويم المجتمع، ولكن يبقى العرف والشفاعة لنا مخرجاً، يمكن بشفاعة الكبير والمسؤول إصدار صكوك الطلاق المتعسرة وإيقاف الأحكام المتعسفة وحتى تحرير رقاب القتلة من سيف القانون بشفاعة عشائرهم وقبائلهم.

وأسجل هنا فضل قضية طفلة عنيزة على كل طفلات المملكة في الإسراع بالبت في مشروع تقنين زواج الصغيرات الذي أتوقع له التعثر عدداً من السنين حتى يصدر هزيلاً لا يسمن ولا يغني من جوع، لأننا نقوم هنا كعادتنا بعلاج التداعيات ولا نلتفت لأصل الخطأ والضرر، ولا تحركنا المشكلات إلا بعد تفاقمها، وندرك بعدها أننا لا نملك سلطة لأي حل منطقي، بل كل ما نستطيعه هو الانتظار حتى تفشل السلطة القانونية فنلجأ بعدها – إن حالفنا الحظ والنسب – إلى الشفاعة.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s