رسالتي إلى سطام و جامعة الإمام

لا أكتب في العادة عن مشكلات خاصة بأفراد، نظراً لصعوبة التأكد من المصداقية اللازمة في مثل تلك الحالات، إلا أنني توقفت عند سطام وبريده الإلكتروني، الذي تضمن دعوة لزيارة موقع إلكتروني أقامه مع زملائه لعرض قضية معتادة في الساحة المحلية، والجديد هنا هو كيفية معالجة القضية، وقضية سطام وزملائه هي أنهم قبل سنوات عدة، ومدفوعين بالحاجة لعمل مضمون، ولو بذلوا أموالهم لأجله، التحقوا بمعهد خاص تحت إشراف جامعة الإمام محمد بن سعود للدراسة في دبلوم إعداد معلمي اللغة الإنكليزية، وكان الأمل معقوداً على توظيف الخريجين بمراحل التعليم الابتدائية ورياض الأطفال فور تخرجهم، بحسب تأكيد الإعلانات المنشورة عن الدبلوم، وكان ذلك بالطبع قبل أن يدركوا – فور تخرجهم – عدم اعتراف وزارة التربية والتعليم بالدبلوم، وعدم تعيين أي من خريجيه وخريجاته، ولا يزال الجدل دائراً حتى هذه اللحظة حول فائدة تدريس اللغة الإنكليزية من الأصل في مراحل التعليم الأولية، بالرغم من إمكان الحكم ببساطة – لحسم الجدل الدائر – من مخرجات التعليم السابقة لدى قطاع المدارس الأهلية، الذي يتم فيه تدريس اللغة الإنكليزية منذ ما يقارب الخمسين عاماً، وقد قام الطلبة المتضررون بالبحث عن حل في ديوان المظالم، الذي أقر حق الطلبة والطالبات في تعويض مادي عن الرسوم التي دفعوها، وكان على الجهة المسؤولة بعدها «جامعة الإمام» إعادة الأموال ببساطة إلى أصحابها فور صدور الحكم، إلا أن الجامعة لم تستجب لدواعٍ مادية تتعلق بميزانية الجامعة وعدم صرف تلك المستحقات من وزارة المالية.
لا يزال الطلبة المتضررون بعد ثماني سنوات يطرقون أبواب الجامعة والإعلام والصحافة والمسؤولين بحثاً عن إعادة أموالهم، وليس تعويضهم عن مدة الدراسة التي انقضت بلا أي فائدة مادية أو تعليمية لأي منهم، ولا تزال أوراق القضية تتنقل من مكتب لآخر، ومن مسؤول لآخر ليؤشرها عنده موظف الأرشيف ويهمشها ويضع عليها رقماً ما يثبت به أداء العمل على الوجه الأكمل، ولا زلنا، ونتمثل بالسلحفاة في سباقها الشهير مع الأرنب – فالمعاملات في تنقل لا ينتهي – غير أننا بعكس السلحفاة لا نصل أبدا.
القضية ربما لا تثير غرابة لدى المتابع لشؤون الأداء الرسمي في مؤسساتنا المحلية وحتى المرموقة منها، فليس غريباً على الإطلاق أن تصدر الأحكام بعد عدد من السنين، ولا أن تقبع المعاملات بين دهاليز ومكاتب المسؤولين لزمن آخر حتى تتلف وتنساها أو تتناساها الذاكرة، بعد أن يتخلى صاحبها عنها طواعية في معظم الأحيان درءاً لهمّ المراجعات والإحباط، ولكن القضية هنا، والتي تمس أكثر من مئة شاب وشابة، لا تزال حية في ذاكرة المطالبين بها، بالرغم من التقادم ومرور السنوات، فهناك وعلى موقعهم الإلكتروني يجمع سطام وزملاؤه أرشيفاً ضخماً من المقالات المتعددة المنشورة عن قضية الدبلوم، كما يستضيف فيه أصحاب الرأي والفكر للتواصل مع أصحاب القضية حول الحلول وكيفية تفعيلها، ويسرد محاولات المتضررين كاملة لعرض قضيتهم لدى مؤسسات الدولة الرسمية، بدءاً من ديوان المظالم، وحتى هيئة حقوق الإنسان، وأصحاب المقام العالي من المسؤولين وغيرهم.
إن الزائر لموقع القضية الحافل لن يجد رداً ولا تفاعلاً واحداً من المسؤولين في جامعة الإمام، والتي اقتصر تفاعلها على رد وحيد مطمئن من مدير الجامعة في برنامج إخباري العام الماضي بقرب حل القضية، وربما لا يدرك سطام وزملاؤه من المتضررين أثناء بحثهم عن حل لقضيتهم أنهم صنعوا عملاً مدنياً.
وربما لن نشهد عما قريب نهاية لقضية الدبلوم تناسب جشع أصحاب المعاهد الخاصة، ولا نهاية لمحاولات التكسب من حاجة شبابنا في مواجهة البطالة وسوء المخرجات التعليمية، إلا أن القضية قدمت لأصحابها «الصدمة» التي يحتاجها كل حالم بمجتمع مثالي، يتوقع فيه الشخص أن القائمين على شــؤونه هم على الأغلب محل ثقة وكفاءة، وأن الخروج على القانون واستغلال المناصب يتم التصــدي له بقوانين رادعة تسري على الجميع بلا تمييز، وبأن الحقوق تعاد لأصحابها كما ينبغي، وبأن الشفافية في حل النزاعات والمشكلات أساس العمل الرسمي.
كشفت هذه القضية لسطام وزملائه الشيء الأهم وهو رؤية أرض الواقع بمؤسساته ورجاله الذين يصنعون عالمهم الحقيقي، الذي ربما لم يكونوا ليشاهدوه ولو طرقته آلاف الأقلام، رجال كسطام وزملائه اجتمعوا ووقفوا وتصدوا وطالبوا وطرقوا الأبواب بلا كلل، لم تضل خطواتهم بين متاهات الروتين والمعاملات والأرقام، ولم تفزعهم مواجهات الأقوياء وسلطاتهم، لا يزالون يؤمنون بأن هناك ضوءاً ما في نهاية الطريق، وأن شخصاً ما في مكان ما الموجهة ستمتد يده إليهم ليرد لهم مطالبهم، وأن هناك قانوناً يسري على الجميع وبالرغم من تحفظي على رفع آمال سطام بتوقع نتيجة ما من طرق أبواب الصحافة، إلا أنني لا أملك إلا أن أهنأه هو وزملاءه على تبنيهم منهج الدفاع المنظم عن حقوقهم وثباتهم عليه، وطرق كل باب يمكن له أن يصنع أثراً في قضيتهم. لا أتوقع أن التعويض المادي لكل خريج عما دفعه – إن حدث – سيعوض أياً منهم عن خيبة الأمل، ولكنني أتوقع أن يخلق طريق مقاومتهم منهم رجالاً أكثر نضجاً وحذراً من سذاجة الاتباع والثقة .

One Response to رسالتي إلى سطام و جامعة الإمام

  1. Hala قال:

    لا زال سطام و زملائه ينتظرون البت في موضوعهم و صرف تعويضات لهم بالرغم من مرور سنوات عديدة على صدور الحكم…

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s