حملة لكل مواطن

هناك ما يمكن قراءته في العمل المدني على الساحة المحلية السعودية من حملات مدنية متتابعة بحثاً عن تغيير ما في الأوضاع الاجتماعية أو الاقتصادية، وهي على الأغلب تدل على تغيير في الوسيلة وليس في فعالية الوصول إلى الهدف المطلوب، فلا زالت تلك الحملات على طموح بعضها وأهميتها لا ترقى إلى أسلوب الواسطة والاجتهاد الفردي المتبع حالياً في تخطي العوائق الإدارية والقانونية التي تتعثر بسببها مصالح الناس، ففي الوقت الذي يستطيع فيه مواطن ما أن يلجأ إلى أحد النافذين أو المسؤولين بصفة شخصية لحل مشكلة عالقة في وقت قصير، أو دفع رشوة ما لتخليص معاملته من بيروقراطية العمل الإداري، فلا تستطيع حملة ما مهما تعاظم عدد مؤيديها والموقعين عليها أن تصل إلى هدفها في تغيير أو إصلاح ما، ولا تتجاوز طلباتها وأهدافها في النهاية الأوراق المكتوبة عليها، والسبب الواضح في ذلك أن دعاة التغيير عن طريق الحملات المدنية لا يدركون أن النظام الإداري العام للدولة لا يحمل من المرونة ما يمكن معه تعديل قانون، أو سن تشريع جديد، أو حتى مناقشته تبعاً لرغبات المواطنين أو المواطنات، وهذا النظام نفسه هو العقبة الحقيقية في وجه مطالبات وحملات التغيير إذا كانت تأتي من المواطنين وليس من المشّرعين للقانون الذين يملكون وحدهم مطلق الصلاحية لسن القوانين والنظر فيها، وهنا نقع في معضلة التعامل مع النظام المدني والقانوني الذي لا يحوي أي وسيلة تسمح لمن يعيشون تحت ظله بالتعبير عن رضاهم من عدمه، وحين يلجأ المواطنون لشن الحملات فهم هنا يتعاملون مع النظام كما لو كان ديموقراطياً يتشكل ويتعدل وفق رغبات المواطنين، بينما لا يمكن للأنظمة هنا أن تتعدل أو تتغير سوى وفق رغبة صانعي القرار.

السؤال الذي يطرح نفسه بالتالي هو: هل يعمل صانعو القرار وفق رغبات المواطنين؟ وهل يمكن لصانعي القرار أن يتلمسوا من خلال حياتهم اليومية ومهامهم الوظيفية حاجات المواطنين ومعاناتهم على اختلاف طبقاتهم وحاجاتهم؟ فلا يعيش المسؤول والمواطن في الواقع نفسه، وهناك من يحظى بسبب مركزه الوظيفي، أو المادي، أو الاجتماعي، أو حتى بسبب جنسه، بالعديد من المميزات وهو هنا لا يشعر بوجود عقبات كبرى في سبيل حصوله على ما يحتاجه لإقامة حياته، بل تدعم الأنظمة في أوقات كثيرة مصالحه وتميزه عن غيره من المواطنين الأقل حظاً بالضرورة، وهناك من تصبح الأنظمة عائقاً حقيقياً في حياتهم اليومية للحصول على احتياجاتهم الإنسانية بكرامة، كالمواطنين من ذوي الدخل المحدود، أو النساء أو الأطفال المتعرضين للإهمال في الحصول على حقوقهم أو المتعرضين التعنيف غير المبرر، وفي غياب قنوات رسمية للتعامل مع مطالب المواطنين وتلمسها وحل مشكلاتهم بتغيير عام في الأنظمة وليس بجهد فردي أو شخصي لحل مشكلة ما.

فلا يبدو أن هناك ما يمكن عمله للنظر في فعالية القوانين والتشريعات سوى أن يتحمل المسؤول شخصياً وحده مسؤولية البحث عن ثغرات الأنظمة والقوانين كافة ومساوئها وأضرارها على المواطنين والمواطنات كافة، ومن ثم تعديل الأنظمة وتكييفها بما يناسب مصلحة الجميع، وهو أمر خيالي بالتأكيد وعلى الأخص بالنظر إلى اتساع الفجوة بين المسؤول والمواطن، وإلى ضآلة صلاحيات العديد من المسؤولين لإحداث أي تغيير فعال، والعمل على حل المشكلات بمعزل عن القانون وبمساعدة النافذين من رجال الدولة هو أشبه ما يكون بمجلس القبيلة وأعرافها، وهو وإن ناسب الحقبات الزمنية السابقة بتركيبة سكانها الثقافية والاجتماعية البسيطة إلا أنه لم يعد مقبولاً الآن وعلى الأخص لدى الفئات الأكثر عرضة لتمييز القوانين والأقل قدرة على الوصول بمشكلاتها للنافذين وصنّاع القرار، إما لعدم قدرة على الوصول إلى النافذين، أو لجهلهم وقلة الفرص المتاحة لهم لحل مشكلاتهم، ولا يمكن مثلاً تجاهل أن القدر الأكبر من الحملات المقامة هي تلك التي تطالب بمنح المزيد من الفرص والحقوق للنساء، وبخلاف الحملات الإعلامية الفارغة التي لا يبدو أنها تعبر عن أي توجه واضح للفئات المعنية، فإن الفائدة الوحيدة التي يمكن أن يخرج بها المتابع من ظهور هذه الحملات المتعددة هي قراءة الواقع الاجتماعي في مواجهة التغييرات الحديثة، كحملة «ولي أمري أدرى بأمري» مثلاً التي – على غرابتها – ظهرت أخيراً بعد وقت قصير من إطلاق حملة المطالبة برفع الوصاية عن النساء الراشدات، وهي تمثل رداً غير مقبول بل وضار بالعديد من النساء في مواجهة عضل الأولياء بلا أي سند قانوني أو ديني، بينما رفع الوصاية عن النساء هي مطالبة مشروعة تماماً كنتيجة طبيعية لتأهيلهن وتعليمهن وتقلدهن الكثير من الوظائف في الدولة، تماما كما أن المطالبة بمنح الفرص الوظيفية في ميادين عمل جديدة وغير مسبوقة للسعوديين دليل على زيادة الأعباء المعيشية، والمطالبة بتطوير القضاء والقوانين دليل على عدم مناسبتها بشكلها التقليدي الحالي لأسلوب حياة الناس وهيكلة المجتمع الحديث، وفي مواجهة جمود الأنطمة وعجزها عن احتواء التغيرات الضرورية في المجتمع الحديث على اختلاف أفراده بما يحقق مصالح الجميع، فلا يمكن أن نتعجب من ظهور المزيد منها بالرغم من عدم جدواها الواضحة حتى يصبح لكل مواطن حملة.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s