جدة قتيل ضاع دمه

أعيش هنا في أميركا في مدينة صغيرة نسبياً، لا يتعدى عدد السكان فيها 200 ألف نسمة، معظمهم من الطلبة والعاملين بالجامعات، ويستطيع أي ساكن في هذه المدينة الصغيرة أن يذهب إلى موقع أمانة المدينة الحقيقي أو الافتراضي لإجراء معاملاته كافة والاستعلام عن الخدمات والمعلومات المطلوبة كافة، أما ما هي الخدمات أو المعلومات التي تقدمها أمانة المدينة والعاملون فيها لساكنيها؟ فهي تشمل أقسام المالية والضرائب، وخدمات المستهلك، ومكتب التطوير الاقتصادي، ومعلومات الانتخابات وخطط الطوارئ، وخدمات الدفاع المدني والإطفاء، والمحكمة العامة، والمدعي العام، وقسم التخطيط الجغرافي، والموارد البشرية وخدمات السكان.

مع ما تشمله من برامج للعائلة والأطفال، والمكتبات العامة، والخدمات الرياضية، وخدمات الترفيه، والاحتفالات المدنية، وخدمات المسكن والتخطيط، والمواقف العامة، والشرطة، وتخطيط المدينة وتطويرها، وخدمات الصحة العامة، والأعمال الخدمية العامة، كتجميع المخلفات وغيرها، وإعادة الاستخدام والتدوير، وخدمات الطاقة كالمياه والكهرباء وما إلى ذلك، وأخيراً خدمات المتطوعين.

كل هذه الباقة من الخدمات المنسقة والمنظمة يمكن لأي ساكن الوصول إلى المسؤولين عنها عبر الموقع الإلكتروني أو شخصياً، كما يمكن حضور الاجتماعات العامة للمدينة وتبليغ المسؤولين مباشرة بأي شكوى أو احتياج لأي فئة ما، وقد شهدت بنفسي ما بذلته المدينة من جهود ضخمة لاحتواء الفيضانات الحادثة بعد نوبة أمطار جارفة – على رغم وجود أنظمة تصريف مياه فعالة – إذ تم تجهيز الملاجيء في وقت قياسي، واستخدام المواقف العامة لحماية مركبات السكان من التلف وتشغيل الدفاع المدني لحل المشكلات كافة على مدار ساعات محدودة، كما تمت تغطية الأحداث وإرسال التوجيهات مباشرة للسكان على مدار 24 ساعة بوسائل الإعلام المتاحة كافة، كل ذلك كان نتيجة لإعداد مسبق وتجهيز متقن لأي طارئ، كما شهدت استجابة المسؤولين في المدينة لشكوى تقدم بها بعض المواطنين من مادة صينية مستوردة ومستخدمة في بناء المنازل، وكان المسؤولون على قدر الحدث فاجتمعوا بالسكان والمقاولين وخبراء الصحة، وتم جمع المعلومات وحصر المتضررين، قبل أن تقوم الشركة المسؤولة – طواعية – بإصلاح الوحدات السكنية المتضررة، وتجهيز منازل بديلة للمتضررين حتى انتهاء إصلاح منازلهم، كما شهدت استعدادات وحدة الصحة العامة في المدينة لاحتمال حدوث وباء وشيك، كجزء من خطة الاستعداد للطوارئ، بحشد وتدريب عدد هائل من المتطوعين، ولإقامة تجربة حية على أرض الواقع، بتقديم الأدوية والحاجات لمجموعة من السكان تحسباً لحدوث طارئ ما، كل هذه الاستعدادات على رغم أن المدينة لا تحتاجها بالضرورة، أو تحتاج جزءاً محدوداً منها، لكنها لم تمنع أياً من القائمين عليها من تبني أفضل مستويات الاستعداد والتجهيز احتياطاً للأسوأ.

أقول هذا وأنا أدرك تماماً أن أي مقارنة بين عالمنا والعالم هنا هي غير عادلة، لأننا وعلى رغم امتلاكنا للموارد والنيات الحسنة – افتراضاً – لا نزال ضائعين في تيه البيروقراطية العتيقة، وتعقيدات النظام الحكومي، والتغييب الذي يعاني منه المواطن في صناعة واقعه.

«مأساة جدة» هي النتيجة الحتمية لأعوام من التجاهل والفساد الإداري، وهي المخرج والناتج الطبيعي لفوضى الإدارة والبناء على أسس متهاوية ومتداعية، فالمسؤولية عن صناعة الكارثة مشتركة بين كل الجهات المعنية، وجدة تشبه هنا قتيلاً ضاع دمه بين الجميع، لا يطمح سكان جدة الآن، وهم يتعدون المليونين، إلى إدارة فاعلة لخدمات الطوارئ، ولا للتثقيف وتجنب الارتجال الخاطئ حال حدوث المصائب والكوارث، ولا في اشتراكهم واطلاعهم على مجريات العمل في مدينتهم، كما لا يطمحون إلى خدمات إخبارية فاعلة لحمايتهم من خطر محدق يحصد الأرواح في ساعات، وهم في ارتجالهم المؤلم إلى درجة أن يقوم العاملون في المستشفيات بإخلاء أقسام المواليد بحملهم في جيوبهم، يعكسون بذلك مستوى ثقتهم في خدمات الإخلاء والطوارئ الرسمية.

السكان يطمحون إلى أن يخرجوا من هذه الكارثة كعادة أبناء العالم الآخر المستبعد عن واقعه، بلفت النظر – فقط – إلى كل تلك المطالبات غير المجدية على مدار السنين للمسؤولين بالالتفات إلى تردي وتهاوي أوضاع المدينة وخدماتها العامة، بدءاً من مطارها إلى شوارعها وأحيائها ومتسوليها، وكل ما يعاني منه السكان وقتله الإعلام بحثاً على مدار السنين.

ينتظر المتابعون الآن تلك «الحلول الجذرية» التي صرح المسؤولون بحاجتهم لها، ما التغيير الذي سينتج من هذه الكارثة؟ وهل سيرقى مستوى الأداء والعمل في بوابة الحرمين، وعروس البحر الأحمر، وموطن الملايين من البشر، إلى مستوى العمل في هذه المدينة الصغيرة ذات الـ200 ألف نسمة؟ وحدها الأيام أو ربما الكارثة المقبلة ستكشف عن الإجابة.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s