تكريم… وخزي

في قصة تكريم الدكتورة السعودية خولة الكريع ومنحها وسام الملك عبدالعزيز إدراك واعتراف بالمرأة السعودية وما يمكن أن تقدمه لهذا الوطن، ذلك التكريم الذي يمنح آلاف السعوديات الأمل والإلهام في واقع أفضل، ذلك الواقع الذي يصبح الاعتراف فيه بقدرات وحقوق المرأة السعودية قانونياً وملزماً؛ فلا تتوقف موهوبة عن العطاء لأن فرصة ما في التعليم قد فاتتها، ولا تتوقف مبدعة عن البناء لأن عملاً ما لم يتح لها في وطنها، تلك النساء السعوديات من أمثال خولة الكريع وحياة سندي وثريا عبيد ومنى أبو سليمان وغادة المطيري وغيرهن ممن وضعن اسم المملكة العربية السعودية عالياً في مختلف المجالات والمحافل هن الدليل الحقيقي والواقعي على ما يمكن أن تقدمه المرأة السعودية خصوصاً والمرأة عموماً لخدمة وطنها وإعلاء اسمه، وهي الصورة التي تختلف كثيراً عن المرأة السعودية المهمشة المحكومة والمقموعة في أحيان كثيرة إذا ما أسيء استخدام الولاية.

الناجحات من السعوديات اليوم واللاتي منحن شيئاً ما يضعنا على الخريطة العالمية هن بالتأكيد ممن استثمر فيهن الوطن في التعليم وإتاحة فرص العمل العادلة وممن حصلن على دعم الأهل والدولة، هؤلاء الملهمات لسن كطفلة عنيزة ابنة الـ12 التي طالعتنا الصحف بقصتها متأخرة ولم ينقذها من زوجها الثمانيني سطوة الإمارة ولا تحليف المأذون لوالدها بإرجاء إتمام الزواج، ذهبت طفلة الـ12 من ولاية مطلقة لأب ظالم لولاية مؤبدة لكهل ثمانيني وبصك شرعي تحت سمع وبصر القانون، رغماً عن تقنين سن الطفولة ونداءات إصلاح القضاء الأسري، ورغماً عن محاولات أمها المستميتة في إيقاظ العيون الغافلة والمتغافلة، لن تحلم هذه الطفلة يوماً ما بإنتاج فكري أو علمي كالذي أحرزته خولة الكريع وغيرها، ولن يعاقب القانون والدها.

كما لن يعاقب الكهل الثمانيني على حرمانها من التعليم، ففي النهاية لا يوجد قانون ضد تزويج الفتيات متى ما بلغن وإن كن في سن الطفولة، ولا يوجد قانون يلزم الأولياء بإبقاء أطفالهم في المدارس، فليس من أولوياتنا كما يبدو بعد أن ننتج المزيد من أمثال خولة الكريع، ولا أن نتيح الفرصة لنشوء أجيال طبيعية خالية من الأمراض والعقد النفسية وسوء الاستغلال، ولا يوجد جريمة في أن تهدر طاقات الجيل الجديد فقط لكونهن إناثاً، وأن تحصر في سوق المتعة بصكوك شرعية وفي صورة واضحة من صور الرق في العصر الحديث.

تحددت لهذه الطفلة ومنذ الآن ملامح حياتها المستقبلية التي بالتأكيد لن تملك فيها من أمر نفسها شيئاً، ولن تملك من أمر من ستنجبهم من أطفال، على رغم عنها شيئاً أيضاً، لا يختلف وضع هذه الطفلة عن وضع الرقيق، وهي المشكلة التي تواجه معظم دول العالم الثالث في القرن الحالي، ولكنها هنا لا تحدث للأسباب نفسها التي تسبب الإساءة بشتى صورها للصغيرات من الإناث وللفتيات، فعلى رغم وجود أنظمة واضحة تجرم الاتجار بالأطفال واستغلالهم جنسياً أو حرمانهم من التعليم في تلك الدول، إلا أن تلك الأنظمة تبقى حبراً على ورق في مواجهة الفقر المتنامي وتزايد نفوذ العصابات المنظمة وفساد رجال الشرطة والقانون، وهنا تغيب عنا الأنظمة وتتوارى صراحة المجاهرة بدستور قضائي يجرم تزويج الصغيرات لوجود إباحة شرعية تاريخية في عدم تحديد سن الزواج، فأكثر القضاة رأفة هنا سيجيز الزواج إذا ما بلغت الفتاة ولو كانت على مقاعد الدراسة أو في العاشرة من عمرها، وقضية المرجعية الدينية هنا استنباط الأحكام تعلو على أي مرجعية أخرى، سواء علمية أو نفسية أو ما يناسب مستجدات العصر من متطلبات التعليم وغيره.

وعلى رغم زوال العمل بمباحات في الشرع كالرق مثلاً وتقنينه تماشياً مع الاتفاقات الدولية لحقوق الإنسان وتماشياً مع قوانين منع الاتجار بالبشر، إلا أن صوراً أخرى من الرق كزواج الصغيرات وتقنين وإباحة نظام الولاية على النساء الراشدات ما زال معمولاً به هنا، على رغم كونه يصب في المبدأ نفسه، وشيوع البلاء واعتياد ممارسته لا يخدم التغيير المطلوب في إزالة مثل تلك الصور من الرق في حرمان النساء من حق الاختيار على أجسادهن وحياتهن.

تمر علينا قصة هذه الطفلة – على بشاعتها – في الإعلام المحلي كما تمر آلاف القصص التي اعتدنا قسوتها لتثبت فشلنا من جديد في توفير الحماية من الإساءة وافتقادنا لأبسط متطلبات الأمن لمن يحتاجها من الصغيرات، توسلات أم الطفلة لهيئات حقوق الإنسان السعودية تحمل في طياتها حلماً بعيد المنال في إلغاء ولاية الزوج الثمانيني ومنح الحق للأم في رعاية الطفلة بعيداً عن الحاجة إلى الأولياء وتسلطهن.

أما أكثر ما يؤسف فهو اتخاذ الدين ذريعة للاستمرار في إبقاء الأنظمة في مصلحة الرجال، كم هو بعيد عنا ذلك الوقت الذي وضعت فيه امرأة أساس العدل الإسلامي، عندما اشتكت أن والدها زوجها لابن عمها وهي كارهة، فلما خيرها الرسول الكريم في ترك زوجها أجابت بتلك المقولة الخالدة: «قد أمضيت ما فعل أبي ولكني أردت أن تعلم النساء من بعدي أنه ليس للآباء من أمر بناتهن شيء».

التكريم الرفيع الذي تحصده نساؤنا السعوديات لن يكتمل أبداً ما بقي الخزي يلحقنا ونحن مكتوفو الأيدي أمام جرائم انتهاك الطفولة واسترقاق الصغيرات.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s