تقشير التاريخ العالمي

«لماذا يبدو تاريخ العالم كالبصلة؟»، بهذا التساؤل المأخوذ من ملاحظة لقارئ مجتهد قدم العالم البيولوجي والباحث التاريخي البروفيسور جاريد دايموند كتابه الممتع «مسدسات، جراثيم وصلب» حول تاريخ تطور المجتمعات والعوامل المؤدية إلى اختلافها، والسؤال الذي جعل عالماً بيولوجياً مهتماً بتطور الأنواع والأجناس مثله يبحث في تاريخ المجتمعات الحديثة وصدر كتابه المهم والفائز بجائزة بوليتزر العالمية هو بالفعل من أكثر الأسئلة الفلسفية والتاريخية تحدياً وإثارة للتفكير «ما العوامل التاريخية التي أدت إلى نشوء حضارات مختلفة في تطورها في أنحاء العالم وأحياناً في منطقة واحدة؟»، وهو هنا يدفع بحثه إلى أبعد نقطة ممكنة في التاريخ، على التقريب قبل 13 ألف سنة لفهم الاختلاف في تطور الحضارات، كما لو كان يقوم بإزالة قشور «بصلة» ما في محاولته للوصول إلى جذور الاختلاف، يبدأ العالم بحثه حول الهوة في مستوى التطور بين المجتمعات الحديثة، مستبعداً فرضية اختلاف الجينات أو القدرة على الإنجاز والاكتشاف بين البشر، ومفترضاً المساواة في متوسط الذكاء لدى البشر، ويعيد اختلافات الحضارات في القوة التكنولوجية والعلمية والعسكرية والاقتصادية وغيرها إلى العوامل البيئية بصفة أساسية، كما ذكرها في عنوان كتابه.

في فصول الكتاب الثرية يبحث الكاتب تطور قوة المجتمع الزراعي بقدرته على إنتاج الطعام والبقاء في الغرب ودول آسيا القريبة من الغرب عوضاً عن أفريقيا وآسيا الجنوبية مثلاً نظراً لتميز مناطق الغرب – الآسيوي عن غيرها بسهولة المناخ والبيئة التي سمحت بتنقل المزروعات والحيوانات الداجنة وحتى البشر، كما كانت وفرة الأراضي الزراعية وتركزها في أوروبا وآسيا سبباً أساسياً في ازدهار الحضارة في المجتمع الغربي – الآسيوي وانحدارها في غيره، إضافة إلى وفرة الحيوانات الداجنة التي سهلت المواصلات والتنقل وحرث الأراضي ومقاومة إنسان أوروبا وآسيا للجراثيم بسبب كثرة التنقل والاختلاط والاعتماد على الحيوانات الداجنة، مما أسهم في اكسابه المناعة اللازمة لبقاء النوع في هذه المجتمعات، بعكس الحضارات المنغلقة التي كانت الجراثيم الدخيلة عليها من الغزاة وغيرهم سبباً في فنائها لقلة مناعتها، كما أوضح أن الغزارة في الإنتاج الحضاري والاختراعات الحديثة هما نتيجة مباشرة لزيادة الكثافة السكانية، مما أدى إلى تخلف المناطق المعزولة بسبب العامل الجغرافي أو المحدودة في الكثافة السكانية عن بقية العالم كمنطقة الصحراء الأفريقية مثلاً، وهنا يفسر البروفيسور وضع الصين كمجتمع متفاوت حضارياً للمتشككين حتى مع توفر الكثافة البشرية، حيث لم تصل إلى ازدهار حضاري كغيرها من المجتمعات بسبب اتساعها الجغرافي واستمرار الصراع على السيطرة بين مراكز القوة فيها، مما أدى إلى تقليل الفرصة في الازدهار الزراعي والحضاري هناك، وهناك ما طرحه البروفيسور أيضاً عن وجود أسباب أخرى تؤدي إلى زيادة تخلف المجتمعات، وهي أسباب مؤقتة وعشوائية نشأت فجأة بسبب ظرف ما طارئ في المكان أو الزمان واستمر بسبب الاعتياد عليه وعدم مناقشته أو رفضه من الأجيال اللاحقة.

الكتاب على ضخامته لا يقدم بالفعل للقراء الحقيقة الكاملة خلف التفاوت الحضاري الحادث في مناطق العالم بالرغم من محاولته الجادة، وربما تستدعي الإجابة عن مثل ذلك السؤال عقولاً أخرى تبحث في اختلاف الثقافات والسياسات الحاكمة والمسلّمات حتى يمكن بحث سؤال بهذه الضخامة بعيداً عن بساطة الأسباب البيئية الظاهرية التي أوردها الكاتب بإعداده العلمي البحت، وربما كان الكتاب دقيقاً في تفسيره لنشوء الحضارات بناء على توفر الفرص البيئية المناسبة في حقبة ما سابقة، ولكن لا يمكن الجزم بذلك في الوقت الحالي الذي أصبحت فيه القوة متنوعة وبديلة عن القوة الزراعية والبيئية، وأنا هنا أتفق مع القارئ الذي شبه محاولة الكاتب لإجابة السؤال بتقشير بصلة، حيث يخرج القارئ بالعديد من الحقائق التاريخية المهمة والمعلومات الطريفة والمفارقات عن مختلف المجتمعات، إلا أنه سيظل متسائلاً عن أسباب التفاوت، حيث لم يصل به الكتاب إلى الجذر الأساسي خلف القشور الظاهرية، تلك الاختلافات غير المبررة التي عجز الكاتب عن تحليلها وأعادها لأسباب عشوائية متوارثة، وهنا في قطرنا العربي لا يزال العربي مستمراً في صراعه على جبهة فلسطين، بالرغم من أن مشكلات التمييز العرقي الشبيهة بالوضع الفلسطيني قد تم حلها كما في جنوب أفريقيا وأمريكا بين البيض والسود، بينما لا يزال عالمنا بعيداً عن تحقيق الحلول التي انتهجتها الحضارات الأخرى، وهناك الصراع العربي المستمر لتحقيق العدالة السياسية وتحقيق حلم الدولة الحديثة التي يشترك أفرادها في تقرير مصيرهم، التي يتعامل تحت مظلتها الجميع بلا تمييز، وهناك وضع النساء وإهدار حقوقهن، ولا تبدو أسباب تخلفنا هي محصلة وحيدة للعوامل البيئية، إذ يفترض بنا ونحن نملك أسباب التفوق المادي، سواء زراعياً في الشمال الأفريقي وبلاد الشام وبلاد الخليج الغنية بنفطها، وبسبب كثافتنا السكانية المتزايدة أن نكون في مقدمة المجتمعات الحضارية – إذا سلمنا بصحة فرضية جاريد – ومع ذلك يبدو الصراع على القوة والتأثير الثقافي السلبي ومحاربة التغيير في تطور أفرادنا عائقاً حقيقياً أهمله جاريد في بحثه المهم، وربما يمكن تصنيفنا تحت فئة العوامل العشوائية المجهولة التي نشأت في حقبة ما ولا نزال تحت وطأة تأثيرها حتى اليوم.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s