تسرّب الممرضات بين التأهيل والواقع

كان الاهتمام بسعودة المهن الطبية من أهم أهداف الخطة الخمسية السادسة للأعوام 1995- و حتى 2000، وعلى رغم ذلك ومن نجاح تعليم عدد كبير من السعوديين في الطب والمهن الطبية المساندة إلا أن تسرب الأطباء من الممارسة الطبية إلى الممارسة الإدارية الصحية وتسرب الممرضات من المهنة تماماً كان محبطاً لجهود التنمية، وما زال الاعتماد على العناصر غير السعودية في القطاعات الصحية كبيراً ومستمراً، وفي مواجهة بيئة عمل صحية متطلبة ومرهقة وبيئة اجتماعية صارمة أصبح من الصعوبة بمكان استقدام عناصر أجنبية عالية التأهيل ناهيك عن استمرارها في العمل لفترات كافية بعد الوصول، وأصبح واقع العمل المضني وغير الداعم سبباً كبيراً في الاعتماد على عناصر أجنبية متوسطة أو ضعيفة التأهيل مع ما يصاحب ذلك من شكوى مستمرة من المرضى والمراجعين من حوادث الإهمال والأخطاء الطبية، وفي بعض المستشفيات الكبرى في المملكة أصبح توظيف واستقطاب رؤساء التمريض والأخصائيين الفنيين المهرة من الأجانب مطلوباً إلى درجة بذل الأموال والمكافآت لمن ينجح في استقطابهم في عملية مشابهة لمهنة صيد الروؤس من المطلوبين المعروفة – مع الفارق -.

أما العقبات الأساسية في الحياة العملية لممارسي مهن الطب والمهن الطبية المساعدة فيلخصها البعض في ضعف تأهيل السعوديين والسعوديات مع إقبالهم الضعيف أصلاً على المهنة إضافة إلى العوائق الاجتماعية لمهن التمريض والمهن الصحية المساندة عموماً، وهو ما يؤدي في النهاية إلى الاعتماد على العناصر الأجنبية بشكل شبه دائم وعلى رغم ضعف تأهيلهم.

وتكشف واحدة من أفضل الدراسات المفصلة عن واقع مهنة التمريض مثلاً وهي القطاع الحيوي لعمل المستشفيات عموماً عن جوانب مهمة من عمل التمريض والتي ما زالت غائبة عن صانعي القرار في تحسين واقع المهنة ومردودها والإقبال عليها، الدراسة التي قامت بها جايل تومالتي قبل سنوات كانت تهدف إلى بحث حاجة المملكة في مجال التمريض وكيفية تطوير الأداء، وقامت الباحثة بدرس المستندات التي تحكم عمل التمريض في المملكة وبمقابلات مع عاملات في المهنة، وخلصت إلى نتائج مهمة أوضحت الحاجة إلى إنشاء هيئة عليا للتمريض في المملكة تضطلع بمهام مقومات الأداء وتصاريح العمل للممرضات وتنظيم المهنة، الواقع الاجتماعي لمهنة التمريض وعدد ساعات العمل الطويلة يعوق استمرار الممرضات في المهنة، والتي تم تنظيم العمل بها لتناسب طبيعة المجتمعات الأخرى وليس بما يناسب مجتمعاتنا الأكثر تطلباً في مجال الأسرة حيث تضطلع المرأة هنا بالنصيب الأكبر من المسؤوليات المنزلية، وهو ما يترك العاملات في المهنة في صراع دائم حول ساعات العمل ومتطلبات المنزل والأطفال.

وعلى رغم عملي مدة طويلة في قطاعات صحية إلا أن أيا منها لا يوفر داراً للحضانة لمنسوباته من العاملات السعوديات وحتى وإن توافرت الدار فإن ظروف الالتحاق لأطفالهن من الصعوبة بمكان حيث تصبح الأولوية لأطفال المسؤولين الذكور الأعلى مرتبة وبعدد محدود من الساعات لا يناسب دوامهن الوظيفي، ولذلك تفضل معظمهن العمل في العيادات الخارجية على الأجنحة والتنويم بسبب نظام المناوبات الطويل، وبسبب نظام الفصل بين الجنسين الاجتماعي، فالحاجة إلى عدد كبير من الممرضين الرجال لا تزال كبيرة، وهناك الجهل الكبير بطبيعة المهنة ومتطلباتها العالية في الأداء من عموم الناس، وهو ما يستدعي القيام بحملة توعية شعبية كبيرة للترويج للمهنة الأكثر طلباً هنا والتعريف بحقيقة العمل فيها، التمريض ليس فقط متابعة الإشراف على المريض ولكن دعمه نفسياً وصحياً والإشراف على متطلبات الجودة في العمل وإدارة طاقم العمل والاتصال بكل أفراد الطاقم الطبي، فالتمريض هو حلقة الوصل بين جميع قطاعات العملية الصحية وبين المريض، ونظام مراقبة الجودة والتحكم في انتقال العدوى في المستشفيات وتطبيق معايير الأداء العالية وتوعية المريض وتثقيفه صحياً هي كلها جوانب ضرورية للعمل في التمريض، أحد أهم عوائق الأداء في مهنة التمريض.

هو التعاقد مع شركات التوظيف من الخارج بمبالغ ضئيلة وهو ما يؤدي إلى ضرورة توظيف العناصر المتدنية الأداء وصعوبة استقدام العناصر الأكثر تأهيلاً، ولا سيما في المستشفيات الحكومية العامة حيث تصبح الموازنة عاملاً مهماً في تحديد شركات التوظيف الأقل كلفة، وحتى مع توافر العائد المادي أحياناً والتعاقد مع عناصر عالية التأهيل في بعض المستشفيات العامة كالعسكرية مثلاً إلا أن الواقع الاجتماعي المختلف كثيراً عن أوطانهم يفرض مزيداً من الضغوط في استمرارهم في المهنة.

تذكر الدراسة مثلاً أن الممرضات الأجنبيات هن الأكثر تضرراً من الظروف المعيشية الخالية من الترفيه بلا حرية في التنقل ولا الزيارات الخاصة ولا الزي المريح داخل المستشفيات وبالأخص بالنظر إلى طبيعة العمل التي تتطلب لباساً عملياً يتيح الحركة المستمرة ولا يعوقها، كما تشير الدراسة إلى واقع المهنة في المملكة حيث لا يتناسب الوصف الوظيفي في العادة مع متطلبات المهنة على أرض الواقع وتضطر معظم الممرضات إلى الاضطلاع بمهام إضافية بلا مقابل في معظم الأحوال بسبب ضغط العمل، ولا ينظر في العادة إلى الأخذ برأي العاملات في قطاع التمريض الذي يضطلع فيه أطباء رجال في العادة بالقرار وقمة الهرم الوظيفي.

السعودة في قطاعات التمريض تواجهها مشكلات عدة من ضغف التأهيل الوظيفي إلى ضعف الواقع الوظيفي وحتى غلبة العنصر الأجنبي الأقل تأهيلاً في سوق العمل مع ما يقابل ذلك من مقاومة للسعودة على أرض الواقع، في الأعوام المقبلة، ومع الزيادة الكبيرة المتوقعة في عدد السكان وفي طول أعمارهم سنصبح أكثر تطلباً وحاجة إلى الرعاية الطبية المتخصصة والمؤهلة، ومع ذلك التضخم من المتوقع أن تقل الخدمات المتاحة الآن للعامة بشكل مجاني وأن تتحول معظم القطاعات إلى التشغيل الذاتي وتزداد كلفتها على المريض، كما من المتوقع أن يصبح التنافس على الأفضل في الخدمة الطبية سواء من ناحية الأداء أم التأهيل هو العامل الأهم الذي يحدد استمرارها، وحتى ذلك الوقت – والمتوقع أن يكون قريباً – على المسؤولين هنا مسؤولية كبيرة في تذليل عقبات التأهيل الطبي المساند وظروف العمل لتصبح أكثر استيعاباً للأفضل وأكثر فعالية في خدمة المريض، وحتى لا ننتهي كما بدأنا بتسرب أكثر من نصف ممرضاتنا واعتمادنا على العناصر الأجنبية بلا نهاية.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s