الهاربون على المركبات والسفن

هل يمكن أن يصبح المحلل السياسي أديباً وروائياً بكل ما يقتضيه ذلك من حساسية الشعور والارتباط الوثيق بهموم الناس على بساطتهم؟ هذا ما تجيب عنه الروايات المنشورة للسياسي والإعلامي وأخيراً الأديب خالد الخميسي، في روايته الأولى التي تصدرت أرقام التوزيع فور صدورها «تاكسي: حواديت المشاوير»، يلخص لنا بأسلوب روائي جديد حال فئة مهمة من المجتمع المصري، تشبه الرواية دراسة اجتماعية مطولة خفيفة الظل ومليئة بالمؤشرات العامة التي تشرح حال المجتمع المصري خلال العقود الأخيرة الماضية، فتخوض الرواية من خلال حوارات الكاتب/ السياسي عوالم السياسة والاقتصاد والأوضاع الاجتماعية المتغيرة على مدى أعمار وخبرات سائقي التاكسي، استخدم الكاتب أسلوب المقابلات غير الرسمية كوسيلة موثقة ومعروفة في الدراسات الاجتماعية والاستقصائية، وهو هنا يستخدم هذا الأسلوب بشكل جديد، ليقدم للقارئ في ما يزيد قليلاً على 200 صفحة، موسوعة مصغرة عن واقع سائقي التاكسي في العاصمة المصرية المزدحمة بهم وبهمومهم.

من خلال الحوارات المتتالية، يتتابع السائقون بتنوعهم المذهل الذي يعكس أطيافاً شتى في المجتمع المصري، ذلك السائق العتيق الذي أمضى عمراً يستهلك القيادة وتستهلكه ولا يزال صامداً ومتفائلاً بضوء أمل في نهاية المطاف، وذلك الغاضب الساخط على كل من يضيق عليه أبواب الرزق وما أكثرهم، إذ تتصدر الشرطة ووزارة الداخلية بقوانينها العشوائية والمعقدة شكاوى السائقين على اختلافهم، وهناك السائق المغامر الذي جرب كل المهن والبلاد وركب التاكسي ليحقق أحلاماً لم تثمر عن شيء، وهناك المهرب الذي ورث المهنة عن والده، وهناك النصاب والمتدين والقبطي، وبينهم جميعاً تتقاطع الهموم والحوارات المشتركة عن دوري الكرة، وانتخابات الرئاسة، وأحلام الحياة الهانئة، وتربية الأولاد والمدارس الخصوصية.

يتعاطف الروائي مع أبطاله تارة على كدهم اللانهائي، حتى المرض والموت خلف المقود بلا أمل في معظم الأوقات، ويحنق عليهم في أوقات أخرى عندما تختفي علامات الشخصية المصرية الأصيلة بين السعي المحموم للكسب واقتناص الفرص للتحرش بالنساء وطغيان الغضب والثورة عليهن، تنتهي الرواية مع السائق الفنان الذي يستعذب الجمال ويبحث عنه في كل مشهد، ذلك الذي ألهم الراكب/ الكاتب بأن يصنع من منزله واحة وعشاً بجمال عشه، ويتساءل الكاتب في النهاية «من أين له بأجنحة كأجنحة ذلك السائق/ الفنان؟»… تستحق الرواية المقدمة اللطيفة التي وضعها الدكتور عبدالوهاب المسيري، الذي شبه هذا العمل بمسرح منفتح على القاهرة بأسرها على خلفية التاكسي، وتجعل القارئ مشدوداً ليقرأ أكثر ويحلق مع الكاتب في بحثه/ روايته الجديدة «سفينة نوح»، وهي عمل أضخم قليلاً من الرواية الأولى.

في خلفية الرواية تطالع القارئ الأسباب والمقدمات السبعة للرحيل على السفينة، «انتبه لا تدع السفينة تفوتك، تذكر! إننا جميعاً في الهوا سوا، كن مستعداً، ففي أي لحظة يمكنك أن تضطر إلى القفز داخل السفينة، سافروا أزواجاً لأسباب نحن في غنى عن شرحها، أقدم على ما ينبغي أن تقدم عليه ولا تلتفت إلى كل ما يُكتب ويُقال، لا يهم من أين جئت؟! الجميع يسعى للحاق بالسفينة، اعلم! أن من خرج ولحق بسفينة نوح كتب الله له النجاة».

السفينة هنا هي أي وسيلة تحمل الحالمين والهاربين إلى حلم بحياة أفضل خارج أوطانهم، هي في الحقيقة تذكرة وتأشيرة لبلد آخر ووعد جديد بحياة أفضل لآلاف المحرومين والمطحونين، هي حلم للجميع يبذلون في تحقيقه النفس والمال والولد ويقدمون أنفسهم قرابين عبر عقود العمل والزواج والإقامة الشرعية وغيرها، والقصص التي سردها الروائي هنا هي نفسها التي نراها حولنا في كل بلد وفي كل وجه مصري، رجال أعمال هاربون من الاحتكار وضياع ثروة العمر، وأفاقون أتموا مهماتهم في الوطن بسلبه ونهبه، ونساء وشباب يتصيدون من ينتشلهم ويتم اصطيادهم رغماً أو طواعية بعيداً من السرب، وبسطاء يبحثون عن موطئ لأقدامهم في الأرض الحلم، وهناك من كانوا مطمئنين آمنين بين جنبات الوطن وبحثوا عن سفينة تحملهم عندما ثارت ونضجت حولهم علامات التمييز الديني وأصبحت تتهددهم بالتلاشي بين لحظة وأخرى.

أما التفاصيل التي يصنعها الكاتب لشخصياته فهي التي تجعل الإبحار معهم حقيقياً ومؤثراً، كتلك التي تتابع رحلة تهريب الفلاح الفقير عبداللطيف للحاق بالسفينة، الذي اعتقد أنه عاصر كل الهموم ليقابل أسوأ كوابيسه في رحلة حملته بتذكرة جوية بذل فيها كل ما يملكه من القاهرة إلى هولندا، ومن ثم إلى الإكوادور، إذ تم تهريبه منها في علبة صفيح مع مجموعة عمال من بلاد أميركا الجنوبية حتى المكسيك ومنها إلى الولايات المتحدة الأميركية، ولا تنتهي حكايات التهريب هنا عند عبداللطيف بل تصل بالقارئ لصانع خطوط السير ومدبرها «القنصل» الذي يحكي أنه ساعد الآلاف للحاق بالسفينة ليحققوا حلمهم بحياة ممكنة، ومنهم أخوه الصغير الذي حاول إقناعه بالعدول عن السفر قائلاً: «يا أحمد رب هنا… رب هناك»، إلا أن أخيه رد قائلاً: «رب هناك أحسن».

لم ينس الكاتب أن يصنع شخصية واحدة حققت حلماً جميلاً مضى وانتهى في بلادها من دون أن تفكر في اللحاق بالسفينة وكانت لها في جنبات قاهرة مضت ذكريات حميمة حملتها لتبحث عن أسباب تهافت الناس للحاق بالسفينة، تلك الشخصية الحالمة التي تنتهي بها الرواية تقدم لنا أخيراً تفسيراً منطقياً للهرب «ظهرت لي سفينة نوح وهي طافية فوق طوفان أغرق اليابسة… كنطفة تستعد لخلق عالم لا نعرفه… مرسومة في خيالي السفينة على شكل قلب سيحمل نبضاً مختلفاً سيعيد تشكيل العالم».

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s