القاعدة الذهبية وصراع الأديان

في محاضرتها أمام مؤسسة تيد العالمية للتحاور قدمت الكاتبة الشهيرة كارين ارمسترونغ خطاباً مهماً يجدر العودة إليه في مثل هذه الأوقات. الخطاب يتمحور حول ما تأمله كهدية ومكافأة بعد عملها لعقود عدة في تقديم الأديان المختلفة للقارئ الغربي.

كارين أرمسترونغ التي أعلنت نهاية علاقتها بالكنيسة عادت مرة أخرى للبحث في الأديان بعد فراق دام 13 عاماً، حصدت كتبها الكثيرة وبحوثها الموضوعية في نشأة الأديان والبحث في تعاليمها الكثير من الإعجاب والقبول العالمي، عندما رشحتها مؤسسة تيد العالمية لإلقاء خطابها وللحصول على جائزة لدورها الرائد في عرض الأديان لم تطلب كارين أرمسترونغ سوى إنشاء جمعية خاصة للترويج لمبدأ التراحم والتعاطف من أتباع الأديان السماوية الثلاثة.

حملت الكاتبة العقلاء من أتباع الديانات السماوية الثلاثة مهمة إعادة الاعتبار للدين والتركيز على الدور الأساسي للأديان في حياة البشر، أبحاثها أبرزت أن الأديان تتشارك في مبدأ أساسي ومهم، هذا المبدأ هو القاعدة الذهبية التي تقوم عليها الأديان جميعها، قاعدة أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، ساقت أرمسترونغ، صاحبة الكتب الأكثر مبيعاً في شرح الديانات والعقائد، الأمثلة من كل دين التي توضح هذه القاعدة الذهبية، أوضحت في شرحها وبحثها أن الدين ليس في النهاية سوى إشاعة التعاطف مع الآخر وتحويل المصالح الذاتية إلى مصالح إنسانية جماعية، بينما كل ما يصر عليه أتباع الديانات جميعاً من طقوس وشعائر وغيرها لا يخدم بحد ذاته البشر ككل، لا يخدمهم سوى إشاعة حس التعاطف وتحويل العلاقة بين كل شخص وآخر على اختلاف مشاربهم إلى علاقة إنسانية وليست علاقة إثبات صحة عقيدة كل شخص وتفوقها على غيرها.

أرمسترونغ التي لمست مدى التوتر والشحناء التي يحملها أتباع كل ديانة للأخرى ترى أن الخلل ليس في تعاليم الدين ولكن في تسييسه لحشد وتعبئة الناس وخدمة مصالح معينة للسياسيين، ومن خلال دراستها للأديان الثلاثة لم تتوقع أن يصبح الدين محوراً للتنافس والصراع بين أتباعه وهو الموجود أصلاً لإحلال الإنسانية والإيثار بين البشر، وليس هناك وقت أجدر بتذكر القاعدة الذهبية للأديان أفضل من الآن، فحيثما ندير وجوهنا حتى بين أتباع الدين الواحد تتصاعد حدة الفرقة والعداء ولا نرى للقاعدة الشهيرة أثراً، وحالياً تنسق جهات كنسية في الولايات المتحدة لإنشاء حملة لحرق نسخ من القرآن الكريم في الكنائس المشاركة في مناسبة أيلول (سبتمبر) الشهيرة، والحملة التي لاقت معارضة من الكثير من الرموز الأميركية المتعقلة في الولايات المتحدة يواجهها مسلمو الولايات المتحدة بالكثير من الأسى.

المسلمون هنا في موقف دفاع دائم عن معتقداتهم وإثبات حسن نياتهم التي ارتبطت للأسف وبسبب أحداث أيلول (سبتمبر) وتصريحات وفتاوى غير مسؤولة بالعنف ضد الآخر والرجعية، المسلمون وهم جزء من النسيج الأميركي والكثير منهم يمثل الجيلين الثاني والثالث لمهاجرين مسلمين يحاولون دوماً إصلاح الصورة الخاطئة عن الإسلام التي تمثلها في العادة شخصيات متطرفة من مجتمعات أخرى إما عربية أو إسلامية، كما لا تبدو الجهود التي يبذلها المسلمون من الطلبة والسياسيين وأعضاء الكونغرس من الناشطين في الإصلاح الديني كافية لدرء العداء المتزايد ضد المسلمين، يقابل ذلك غياب الصورة التي تمثل روح الإسلام السمحة والحقيقية في معظم المجتمعات الإسلامية من دول العالم النامي والثالث.

الهزيمة السياسية في إقامة وتثبيت مبدأ التعاطف الإنساني عكست الصورة الأسوأ عن الإسلام كديانة تدعو للتسامح والعدالة، اختلطت المفاهيم وأصبح الولاء للدين متعاكساً مع تنفيذ رسالة الأديان الداعية لنشر الخير وتقدم البشرية، الولاء للدين لم يبرز بالضرورة القاعدة الذهبية ولم يفسح المجال لنشوء مجتمعات متعددة المذاهب متوائمة مع بعضها البعض، بل اتخذ طابعاً انعزالياً غير منفتح لا يسمح سوى بنمو نفوذ أتباعه على حساب المختلفين، كل طائفة تبرر العنف والعزل تجاه من يخالفهم في العقائد ويشذ عن السلوك الديني المرغوب بدلاً من الاحتواء ونبذ الفرقة.

التعاطف المفقود يأتي أحياناً من أكثر الأماكن غرابة، أفراد مستقلون من اليهود الأميركيين قرروا أن يردوا على الدعوة الشهيرة التي أطلقها غلاة بنشر رفضهم لهذا العمل وإعلان تضمانهم مع مواطنيهم المسلمين، المسلمون الأميركيون الحائرون الآن أمام حملة القسيسين المسيحيين لم يتوقعوا بالتأكيد أن تأتي القاعدة الذهبية من مواطنيهم اليهود، ويبرز سؤال مهم حول المغزى من ممارسة الأديان، هل يحتاج العالم إلى الدين كممارسة تعزز من الحريات والأخلاق والتعاطف بين البشر، أم يحتاج إلى الدين كممارسة تفرق بين الناس وتميز بينهم في الحقوق والواجبات؟

يبقى هذا السؤال موجهاً لنا كمسلمين بالضرورة، ونحن نتلقى الآن الضربات من كل صوب تحت مختلف الذرائع، هل نستطيع أن نقدم الإسلام ونمارسه كدين سباق في نشر وتطبيق القاعدة الذهبية أولاً حتى نطلبها من غير المسلمين؟

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s