العودة إلى العباءة

هناك شيء خاص يميز كل عودة إلى أرض الوطن، وقد تميزت هذه المرة بالعودة إلى «العباءة»، تلك الرواية الجديدة التي تكشف بكثير من الجرأة ما يختبئ هنا تحت العباءة، وربما كان اسم الرواية عامل جذب لي في البداية، فأنا أيضاً – حتى وأنا امرأة – أريد أن أعرف ما يختبئ تحت العباءة.
الرواية الجديدة، وهي الأولى للكاتبة مها الجهني، تذكر القارئ برواية «عمارة يعقوبيان» للروائي المصري علاء الأسواني بحكايات أبطالها وبطلاتها يتشاركون في سكن عمارة واحدة… وإذا كانت عمارة يعقوبيان سجلت التغيرات الزمنية والمادية والاجتماعية لأبطالها في حبكة روائية شديدة التميز والذكاء، فقد حاولت رواية «العباءة» بلوغ ذلك الهدف، ولكن لم تصل إليه للأسف، على رغم اقترابها، العباءة لم تكشف عن حرفية عالية في الحبكة الروائية أو السرد الذي جنح في كثير من الأوقات إلى الوصف والتأمل بصورة مبالغ فيها، على الأخص في بداية ونهاية كل فصل من الرواية.
أهمية الرواية تكمن في أنها، ربما الأولى، التي تنقل الأدب السعودي النسائي إلى ذلك المستوى من الجرأة في طرح تناقضات وملابسات حياة النساء من عامة المجتمع هنا، سجلت الرواية تلك التفاصيل السلوكية المميزة للشخصيات المتعددة من سكان العمارة الذين اختارتهم الكاتبة من مختلف الأعمار والأجناس والمشارب، النسيج المختلف، والمتآلف نوعاً ما من سكان العمارة، يمثل في حقيقته نسيج المجتمع السعودي الذي يجمع أطيافاً شتى من مناطق المملكة كافة ومن خارجها… أفضل ما في الرواية هو التساؤلات التي تطرحها الشخصيات وبالأخص النسائية حول عدالة واقعها وأسبابه، والبحث عن المبررات التي تجعل من التعايش مع الواقع التعيس للشخصية شيئاً مقبولاً.
وفي ذكاء واضح تطرح الكاتبة تلك الأسئلة القوية التي ربما يمتنع الناس عن طرحها خوفاً من كسر حواجز الثقافة التقليدية على لسان نورة التي تتعرف على حقيقة العالم حولها بعين العابرة من براءة الطفولة إلى ثقل قيود النضج والتحول إلى امرأة في عالمنا الفريد، «ليس جسدي هو ما تضخم، ولكنه عقلي الذي تورم وهو يئن من وطأة الأشياء حوله»، نجحت الكاتبة في وصفها لشخصية نورة في التقاط ما يمارسه الناس باسم التقاليد تارة وباسم التربية تارة من كبت وقمع لقولبة الصغار، وحصر حياتهم في نمطية قاتلة، وهناك جدتها فضة التي راقبت ابنتها المريضة بسرطان الثدي، يهجرها زوجها إلى زوجة جديدة، وتطاردها في لحظات وحدتها ذكريات طفولتها وشبابها البائس الذي لم تلقِ عليه الكاتبة الكثير من الضوء.
تجد الجدة المقبلة من نشأة متواضعة حملتها بعيداً عن أمن موطنها الخلاص في الخزعبلات والسحر الذي تبرره، على رغم كونه كفراً بأنه المخرج لها من اليأس الذي أحاط بحياتها وحياة ابنتها، «حياتنا كلها مبنية على كذب واغتصاب وخيانة وسرقة وقتل وتفجير وتعذيب، أليس هذا كله كفراً؟ ألا يحتاج منا إلى شيء سحري يجعلنا نتحمله؟».
تحمل قصة فضة لنا يأس النساء وقلة حيلتهن في مواجهة ما لا يمكن تغييره، وهناك أم يوسف التي تعيش مع زوجها المقعد بعد عودته من الجهاد في أفغانستان وتحمل على كتفيها عبء تربية أولادها الخمسة من عملها في خدمة ساكنات العمارة، تحلم أم يوسف بأن تجد مصدراً ثابتاً للدخل يكفيها وعائلتها، بينما تدعو الله أن ينجيها وأولادها من الملاحقة بتهمة الإرهاب، لم يمنع ما حدث للأب أن يسلك ابنه المسار نفسه ويلتحق بجماعة إسلامية، في عبارة لطيفة على لسان إحدى الشخصيات يظهر لنا التناقض الذي يعيشه الناس في مواجهة التدين، «أنا أيضاً أخاف كثيراً وأنا أرى الشباب في الشوارع يتمردون على ذويهم، يسرقون، يحطمون السيارات أو يعتدون على الصغار»، «وإن رأيت أحدهم وعلى محياه صبغة الإيمان يتآكلك الخوف من كونه إرهابياً»! تختزل تلك الجملة الخوف الذي يسكننا في تربية أولادنا، فلا تحميه تربية دينية قد تحصره في غايات لم يولد لها تنتهي بها حياته ولا يبتعد عن الشر إذا ما اختفى الدين من حياته… وهناك أم نواف الأرملة الثرية صاحبة العمارة التي نتابع مشاهد من صراعها مع ابنها المدلل نواف، الذي يقضي وقته متسكعاً في المنتديات الألكترونية وعاطلاً عن أي عمل، بينما يتنمر أخيراً على أمه «هذه عمارتي أنا، وثانياً أنت حرمة، وثالثاً أنا ولي أمرك»!
تطرح قصة نواف ذلك التناقض المؤلم الذي تعيشه النساء تحت نظام الولي حتى وإن كان عاجزاً عن ولاية نفسه، وهناك الطفلة فاطمة التي تتساءل في براءة مؤلمة «ماما هل نحن عبيد»، في أول اكتشافها للعنصرية بناءً على اللون من زميلاتها بالمدرسة، وأخيراً هناك غيداء الشخصية الرومانسية التي تنتظر ككل أنثى أن تجد الفارس الذي يشملها بحبه ويخرجها من روتين الحياة اليومية الجافة التي تعيشها، عندما يبوح الفارس أخيراً بما تحلم أن يحكيه لها يتحطم الوهم الذي أحاط بصورته «ليته لم يتحدث، لقد كان من قبل صورة أنا صنعتها، خيالاً ألبسه ما شئت من سمات، لكنه ككل الرجال أناني يظل يكرر «أنا» بغباء مطلق وإن وصف الأنثى قال إنها شمس أو قمر، كيف أجيب على رجل يرتجف تحت تأثير إعجابه بي؟ هل أصفعه لأظهر للمجتمع كم أنا محترمة لأني أرفض المشاعر؟»، تستسلم غيداء للزواج من شخص ما بحثاً عن الحماية والحب، وتتساءل «سأتزوجه حتى ولو أرضخني لشروطه، أريد أن أحظى برجل يحبني، يحرسني ويحميني وهو قادر على ذلك»، ثم تعود غيداء لتتساءل «مم يحميني؟ لا أعرف لكني أريد أن أعيش ولو كلفني ذلك تغيير أفكاري، لا بأس، فما هي الأفكار؟ هي صنع إرادتنا ورغباتنا وآلامنا»، الكاتبة هنا ترسم المصير التقليدي للشابات الحالمات بفارس ما حتى وإن اضطررن إلى تغيير أنفسهن لأجله! حملت الرواية الحافلة بين دفتيها الكثير من المشاهدات المتداولة في مجتمعنا، من التطرف والعجز والشذوذ الجنسي والتعدد والعلاقات الزوجية الشائكة وغيرها، تشعر حال انتهاء قراءة الرواية بأنك أدركت فجأة ثقل ما تسمعه ويحيط بك في المجتمع وكأنك عشته شخصياً، والرواية تماماً كرواية عمارة يعقوبيان وإن أثقلت ضمير ووعي القارئ، إلا أنها جلبت له وعياً ضرورياً بمجتمعه ربما تبدأ معه عجلة التغيير.
أعادتني رواية «العباءة» – بعد انقطاع عن موطني – بقوة إلى مشاهد وملامح محلية وألصقتني به كما لو لم أبتعد أبداً، وهي جهد مميز من كاتبة في بداياتها تذكر أكثر من أي وقت مضى بمدى أهمية دور التحرير والنشر في إسباغ المزيد من الحبكة الروائية والنصائح الفنية للمبدعين للوصول بأعمالهم إلى المستوى الذي يستحقونه، وأستعير هنا الاقتباس الذي استهلت به الكاتبة أحد فصول الرواية «الإنسان لا يولد في مكان ما دفعة واحدة، هو في الواقع لا يتوقف عن الولادة»، وربما تجلب لنا الولادات المقبلة للكاتبة المزيد من الإبداع والتميز ليقربنا أكثر من بعضنا البعض، ويكشف لنا ما ينبغي أن تكشف عنه العباءة.

One Response to العودة إلى العباءة

  1. Hala قال:

    ماالذي حدث لمها الجهني و لماذا لم يسلط الضوء أبدا على عملها ولا على التعريف بها؟

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s