العرب الأمريكيون و مفهوم الهوية

«في العادة يغلفنا الشعور بقلة الحيلة وانعدام الأمل، ولكن في أوقات مثل هذه نجرؤ على الأمل والحلم بأن شيئاً ما يمكن أن يتغير، وأن كل هذه الجهود لا بد أن تؤدي إلى شيء ما»، هذا ما ذكرته لي طبيبة أميركية من أصل فلسطيني بعد حضورها مؤتمر للناشطين الأميركيين من أصل عربي، وهي هنا تعلق على نشاطات الجمعيات الأهلية غير الربحية التي أقامها متحمسون للشأن الفلسطيني لإثارة الرأي والوعي العام العالمي بمشكلة فلسطين، والمؤتمر الذي أسهم في أيامه الثلاثة بعرض جهود الناشطين وتدريب المهتمين بالشأن العربي الأميركي على الدفاع عن حقوقهم ووفر فرصة لكل أميركي- عربي، لأن يستمع إلى صنّاع القرار من سياسيين ورجال أعمال وإعلاميين يستحق النجاح الذي حصده، وتستطيع بالتأكيد أن تلاحظ تأثير جهود العاملين عليه في اختيار مواضيع النقاش وضيوف المؤتمر والترويج لمهمتهم لدى النافذين من رجال ونساء الدولة، ولكن الأهم في المؤتمر هم حضوره المتنوع الذي يعكس تنوع المجتمع العربي الأميركي بأصوله العربية المتعددة، تستطيع أن ترى الاختلاف والتناسق في الوقت ذاته بين الحضور وهم يتفاوتون بين الجيل الثالث إلى الجيل الأول من المهاجرين العرب بانتماءاتهم الدينية المختلفة بحسب أصولهم ولغاتهم المتعددة. عكس الحضور تنوع الوطن العربي الشاسع ولكن مطعماً بملامح الثقافة الأميركية الجديدة في موضوعية اللغة والطرح والمنهج العلمي، هؤلاء الأميركيون العرب لم ينسوا أصلهم العربي على رغم التقادم واندماجهم في مجتمعهم الجديد، ولم يبتعدوا عن البحث كعادة العرب عن دفء العلاقات العربية التي لا يمكن لهم أن يجدوا مثيلاً لها في المجتمع الغربي.

سارة الأميركية من أصل سعودي حضرت للمرة الأولى للمؤتمر وأسعدها أن ترى الحضور المشرف للعرب الأميركيين ممن سجلوا نجاحات مميزة في المجالات كافة، أسعدها أن يجتمعوا معاً على اختلاف اهتماماتهم وأصولهم وانتماءاتهم الدينية لخدمة حقوق العرب الأميركيين والدفاع عن مصالحهم، وهي تدرك أنه بكونها جزءاً صغيراً من هذا المجتمع الكبير تستطيع أن تصنع فرقاً في نظرة مجتمعها الجديد للعرب الأميركيين،

سارة لا تستطيع أن تتحدث العربية جيداً، فهي من أبناء الجيل الثاني من المهاجرين، ولكنها تدرك أهمية الحفاظ على تراثها وحضارتها في موطنها الجديد، وهناك هشام الذي حضر من مصر إلى المجتمع الأميركي في مراهقته واعتقد أنه سينتهي مهندساً أو طبيباً كعادة كل العرب، ولكنه قرر أن يلتحق بعد تجربة بمكتب التحقيقات الفيدرالي، مدركاً لما قد يتعرض له من تمييز اجتماعي بسبب اختياره، وعلى رغم أن أحداً من معارفه لم يبدِ اعتراضه صراحة على اختياره إلا أنه يستطيع أن يقرأ في أعين بعضهم الرفض، وهو لا يعتبر نفسه الآن سوى فرد في موطنه الجديد، وأفضل ما يمكن أن يمثل به أصله وثقافته العربية والإسلامية هو أن يؤدي عمله على الوجه الأجمل بما يعكس أصوله وحضارته، وهو لا يأمل كثيراً في أن يختفي التمييز بين الناس، أو أن يسودهم فجأة التفاهم والاتفاق، لكنه مع ذلك يؤمن بأن الحوار حول الاختلافات يمكن أن يبني جسراً ما ويمكن أيضاً أن يبتعد بالمتحاورين عن حياة الفصل والطبقات الاجتماعية، وما يسببه ذلك من شيوع الجهل بالآخر والنمطية في التعامل مع المختلف.

يؤمن هشام بعدالة القوانين في مجتمعه الجديد، وبأنها أقرب ما تكون إلى مبادئ الإسلام التي تحتوي الجميع وتوفر الفرصة لكل مجتهد بغض النظر عن أصله وعرقه وانتمائه ليسهم في مجتمعه، وهو لا يعوّل كثيراً على تصدير ديموقراطية أميركا للعالم العربي، ولا تتعاظم أحلامه ليرى دوراً ما للعرب الأميركيين في دفع عجلتها في مواطنهم الأصلية، ولكنه يؤمن بأن التغيير يجب أن يأتي من الداخل من أبناء كل شعب وليس بدعوة قسرية أو طواعية من الدول الكبرى التي تصدر مع مبادئها – وإن كانت عادلة- مطالب وتدخلات قد لا تصب في مصلحة العرب، كان من بين الحضور أيضاً ناشطون يهود لدعم القضية الفلسطينية، شابة تدعى «آنا بولتزر» وهي من أصل يهودي صهيوني قامت وحدها بتأليف المطبوعات وتنظيم العروض والتسجيلات لعرض مراحل الصراع في القضية الفلسطينية ومعاناة الفلسطينيين على المعابر وفي حياتهم كل يوم، وهي هنا على رغم تكريمها لا تنسى فضل الأسر الفلسطينية الأميركية التي دعمتها بالحقائق وساعدتها لإتمام هذه المهمة، وهي تقول في معرض تكريمها: «إنه من السخرية بمكان أن يكون صوتي اليهودي أقرب وأسرع في توصيل معاناة الفلسطينيين من الأصوات الفلسطينية نفسها»، وهي هنا تضرب مثالاً للناشط الذي يتسامى عن مصالحه لدعم الحق وإن لم يكن لفائدته، وهناك من استثمر تجربته ليطرحها في عمل أدبي أو إعلامي.

دلال خليل مثلاً قررت أن تطرح كل التناقضات التي واجهتها كأميركية عربية أثناء نشأتها في مجتمع ليبرالي، ولكن في بيئة عائلية محافظة، في كتاب يصور كل مظاهر الالتباسات والتي تسردها في كتابها بشكل كوميدي يقربها للقارئ الأميركي والعربي على السواء.

وهناك نوار الشورا الذي قرر أن يجمع كل ما يمكن أن يهم الأميركي عن العربي الأميركي والمسلم في مجموعة حقائق بلغة مبسطة في «كتاب اليد عن العرب الأميركيين»، قام نوار ولا يزال بتوزيع كتابه على كل المؤسسات التي تتعامل مع العرب الأميركيين، وهؤلاء جميعاً يقدمون شيئاً ما أكبر من مجرد الاستنكار والرفض لإزالة سوء الفهم والمغالطات المرتبطة بالتمييز العنصري، كان معظم من قابلتهم منفتحاً للحديث وتبادل الآراء، في ما عدا شخصية واحدة، بحكم قربها من صنّاع القرار، أوضحت عدم رغبتها في أن تدلي برأي ما أو تشارك به على الملأ حتى وإن كانت تؤمن به، وهناك من حضر لتوسيع دائرته الاجتماعية وعلاقاته الرسمية، وعلى رغم تعدد أسباب ودوافع الحضور للأميركيين العرب إلا أنهم جميعاً وعلى اختلاف مشاربهم يبدون اهتمامهم بالالتزام بعمل ما يرتفع بهم إلى مستوى المواطنة الفعّالة مع الاحتفاظ بهويتهم العربية وحضارتهم الأصلية.

يتركك الاجتماع وأنت تفكر إن كان ممكناً للعرب أن يجتمعوا ويعملوا معاً في نجاح للرفع من شأنهم في الخارج، فلماذا يتنازعون هنا في «الشرق الأوسط» ولديهم كل عوامل الاجتماع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s