السوبر بول ودوري كرة القدم

تحكي الأحداث الرياضية – كغيرها من الأحداث – الكثير عن ثقافة الشعوب وتعاطيها مع فكرة التنافس الرياضي، في موسم السوبر بول الأميركي مثلاً هناك الكثير مما لا يملك القادم مثلي من ثقافة عربية مختلفة سوى أن يلاحظه، السوبر بول هي المباراة النهائية لفرق كرة القدم الأميركية وهي المناسبة الأهم على مدار السنة ليس فقط لمتابعي اللعبة ولكن للعديد من الصناعات المرتبطة مباشرة بذلك اليوم، فالعائلة الأميركية التقليدية تجتمع في يوم الأحد الشهير والمحدد سنوياً لمشاهدة تلك المباراة حول شاشة التلفزيون في متابعة مخلصة مع الأصدقاء في احتفالية من الطعام والشراب تشبه مناسبة الأعياد الرسمية، وتتناوب كبرى شركات البث التلفزيوني في الحصول على الحق الحصري سنوياً لبث المباراة النهائية بكل ما يعنيه ذلك من عقود إعلانات ضخمة ومربحة على مدار وقت المباراة، أما الهاف تايم واحتفالات بداية ونهاية المباراة فهي تشبه مظاهرة هوليوودية ضخمة تحفل بأشهر الفنانين والفنانات الذين لا يكتفون فقط بإلقاء النشيد الوطني الأميركي في البداية بل في التعليق على أحداث المباراة وشخصيات المشاركين كافة، فتسلط الأضواء على اللاعبين وقصص نجاحهم ومشاركاتهم وعائلاتهم وتصريحاتهم بما يعادل الاهتمام باللعب نفسه، ويستميت الكثيرون في الوصول إلى غرف اللاعبين لأخذ الصور التذكارية معهم، وتصل أسعار التذاكر لحضور المباراة الفعلية إلى آلاف الدولارات مع اقتراب موعد المباراة، والسوبر بول التي بدأت قبل زمن بعيد كتحالف بين أكبر اتحادين لكرة القدم الأميركية أصبحت اليوم صناعة ضخمة يشترك فيها أصحاب نوادي كرة القدم الكبرى وشركات الإعلام والتلفزيون الكبرى، التي تتناوب سنوياً في الحق الحصري لعرض المباراة، إضافة إلى الشركات الأخرى التي وجدت لها مجالاً واسعاً للعمل حول المناسبة، كشركات الأطعمة السريعة وصناعة التذكارات والمستلزمات الرياضية والدعاية والإعلان، فكل ما يدور في الواقع اليومي في موسم السوبر بول سواء في التلفزيون والإذاعة والأخبار والمحال التجارية يدور في النهاية حول الترويج للمناسبة، تلك التظاهرة الرياضية والإعلامية والتجارية تحكي لنا عن شيء ما عن ثقافة الأميركيين.

تقول لنا السوبر بول الأميركية إن الثقافة الأميركية ثقافة استهلاكية ولكن منظمة، ثقافة هادفة بشكل كبير لتحقيق أرباح طائلة بتحالف طوعي متفق عليه مسبقاً بين المتنافسين الكبار من رجال المال، ثقافة رأسمالية تمكنت من استخدام المصادر الممكنة كافة للحصول على أكبر ربح ممكن، فقدمت للأميركيين خلطة مميزة من العروض الرياضية التقليدية المتنافسة في أجواء تدعم اجتماع الأهل والأصدقاء، فالأميركيون يحترمون التنافس الرياضي ويمنحون الكثير من الدعم والحب لمتابعة أبطالهم من الرياضيين حتى درجة التقديس، في المقابل ماذا تقول لنا مبارياتنا الرياضية عن ثقافتنا؟ نحن أيضاً نقوم بدعم ومتابعة أبطال الكرة في مواسم التنافس، ولكنها هنا ليست مناسبات اجتماعية مبهجة كما هي الحال هناك، فالشباب مجتمع في استراحة ما لمتابعة المباريات التي كثيراً ما تتم في مواسم دراسية وخلال أيام العمل بدلاً من الإجازة، ولا يظهر أثر التنظيم الكافي إدارياً أو مادياًِ لاستغلال تلك المباريات كمواسم لتشجيع السياحة مثلاً أو الترويج لقيم الرياضة بين الشباب أو الصغار، فالإعلام يتناول بقسوة وحماسة مبالغ فيها سقطات اللاعبين ومدربيهم ولا يطرح قصص صعودهم ونجاحهم بالحماسة نفسها، فلا تمثل قصص نجاح اللاعبين هنا ومتابعتهم أي عامل حقيقي للإلهام لدى الصغار، وليس بعيداً الهجوم الذي ناله لاعبو المنتخب المصري في إعلامهم المحلي لدى ظهور أخبار بسرقة أجنحتهم في جنوب أفريقيا والادعاءات التي نالت من سمعة اللاعبين كافة قبل صدور نتائج التحقيق الرسمي في الواقعة، وفي المقابل تناسى الإعلام كل ذلك الهجوم لدى فوز المنتخب بعدها بفترة قصيرة وانبرى في بذل المدح والثناء عليهم، التنافس الرياضي هنا خطير للغاية وقد يصل في تأثيره لمستوى التعامل السياسي والشعبي كالخلاف بين مصر والجزائر على خلفية مباراة كرة قدم، وهو يكشف لنا عن جانب ما في الثقافة لا يستطيع معه المتابع التعاطي مع الرياضة كواجهة وطنية سوى بتضخيم عداء الخصوم حتى درجة المقاطعة الرسمية، كما لا تظهر مظاهر التشجيع البريئة والطريفة نفسها التي يعبر بها المتابعون للرياضة عن تشجيعهم سواء في الألوان والعبارات المنتقاة لإنشادها والملحوظة في المباريات الأميركية، فهناك شيء من العنف سواء في التشجيع أو التعليق على المتنافسين، وكثيراً ما يتجنب مؤثرو السلامة حضور المباريات الكبرى في مواقع تنظيمها وهو ما يفوت الكثير على المنظمين في تحقيق الأرباح لدعم الرياضة، والرياضة هنا في النهاية ليست بالتأكيد مناسبة عائلية واجتماعية، فهي احتفالية ذكورية خالصة تتحقق غالباً بعيداً عن العائلة في المقاهي أو في الاستراحات، ثقافة المباريات الرياضية هنا تكشف لنا عن مجتمعنا الذكوري بامتياز، وعن حماستنا العاطفية لمن نؤيده وصراعنا غير المنطقي مع من نختلف معه، فنحن نقتل أبطالنا ونعيد إحياءهم من جديد كما يعن لنا، وتكشف عن احتكار تجاري مستبد وعجيب لبث وتحديد أوقات المباريات بعيداً عن مناسبته لظروف المتابعين ورغباتهم، وأخيراً تكشف لنا عن سياستنا العامة منذ الأزل، فالقمة تقرر والقاعدة تتبع وتطيع.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s