السطحية في معالجتنا للمشكلات

نظرية التفكير السطحي تعني أن يقوم الشخص بالتعامل مع مشكلة متعددة الجوانب بشكل سطحي وسريع ولا يلتفت إلا إلى جانب واحد، وهي تضمن الحل الأسرع والأسهل وصولاً، وبالتالي الأقل جهداً

وفي كتابه الملهم، «الطريق الأقل ارتياداً وما بعده، النمو الروحي في عصر القلق» قدّم الكاتب والمحلل النفسي الدكتور م. سكوت بيك عرضاً دقيقاً لحالة التفكير السطحي والتي يقودها في العادة مؤسسات مؤثرة ورائدة في المجتمع، كالإعلام ومؤسسات التعليم والمؤسسة الدينية وغيرها.

يقدّم هؤلاء في العادة المعلومات للعامة بشكل يجعل من وجهة نظر واحدة وطريقة واحدة للتفكير والتعامل نموذجاً يحتذى وطريقاً وحيداً للاتباع، وبذلك تتم خديعة عموم الناس لثقتهم في تلك المؤسسات وفي صواب حكمهم، ويسود بذلك التفكيرالسطحي وضيق الأفق في التعامل مع أحداث الحياة. تتسطح مفاهيم المجتمع في مفهوم المقبول والممنوع في التصرفات بما يناسب فئة واحدة، ويتم تمرير تلك المفاهيم للعامة من خلال الرغبة في حماية مفاهيم إيجابية أخرى للمجتمع، وتصبح الحقيقة ضائعة في مكان ما بين المفاهيم الإيجابية بالفعل وبين الآراء المشوهة، ويصبح الناس في عجز عن تقبل بعض ما تمرره لهم مؤسساتهم الرسمية على رغم من ظاهره الإيجابي، وليس ذلك سوى لأنه في الأصل مفهوم سلبي خاطئ تم تلميعه وتعديله وتمريره للعموم كمفهوم إيجابي، كتبرير قاض رسمي لضرب الزوجات مثلاً بسبب سوء التصرف في المال الممنوح لهن. وهكذا تصنع الأكاذيب أو أنصاف الحقائق المنمقة الغموض والتشتت لدى المجتمع والعامة، والخروج بتحليل إيجابي وتصنيف صحيح للأوضاع والأفكار سواء إلى إيجابية أو سلبية أو حتى خليط منهما معاً هو عمل مضن يتطلب الاطلاع الكافي وسعة الأفق ونظرة شاملة ووقتاً كافياً للخروج بنتيجة ما.

إلا أن أغلب الناس وعلى رغم اختلاف أوضاعهم وطبائعهم يفكرون بشكل سطحي، إما بسبب انغماسهم في واقعهم المحدود واعتيادهم عليه وعدم معرفتهم بما سواه حتى مع شذوذ بعض أوضاعه، وإما لكونهم غير مستعدين لاستثمار الوقت والجهد، وربما بعض المال في التفكير المتعمق والنقدي، ولا يظهر أثر ذلك سوى عندما يتم اختبار المفاهيم على أرض الواقع وإثارة التساؤلات حول قيمتها، كما هي في إثارة السبب في منع قيادة المرأة للسيارة في تنقلها من مكان لآخر. ففي هذه الحال يفشل من يدافع عن رفض قيادة المرأة في إثبات أي مرجعية دينية أو مجتمعية، خصوصاً مع وجود السائق كبديل مع توابع ذلك المزرية في اقتصاد الأسرة وأمنها أحياناً، وكذا في قضايا الاختلاط بحكم العمل وطلب الرزق، فتمنع النساء من الإشراف المباشر على أعمالهن، ولا يستطيع المعارض للاختلاط أن يبرر أثر ذلك في لجوء النساء للاعتماد على شخص آخر لمجرد أنه ذكر مع توابع ذلك من استغلال مادي وسوء تدبير للعمل، فكأنه يحميهن من الرمضاء بالنار. وفي الوقت الذي طالبت فيه النساء بإعادة التفكير في شرط مدير المكتب لكل صاحبة عمل تقدم خدمات للجنسين خرج مسؤول وزارة التجارة بتأكيد الشرط بعد وقت قصير، وكان من الأسهل بالطبع على المسؤول أن يتم ذلك باللجوء إلى القوانين واللوائح بدلاً من استثمار الوقت وإعمال التفكير في انتقادها والبحث في تضرر العاملات منها، وهو هنا مثال آخر على مدى هامشية التفكير لدى بعض المسؤولين في نقد القوانين، وذلك لسهولة اتباعها بدلاً من تغييرها، فلم يتعد المسؤول بعد مرحلة الموظف التقليدي الذي يحرس القوانين بدلاً من حراسة مصالح العامة، وتستمر سطوة التفكير الهامشي في التعامل مع تعقيدات المجتمع الحالي حتى الإيحاء للناس بأن كل متاعبهم ومشكلاتهم الحياتية وعدم رضاهم هو نتيجة لسوء التصرف أو ابتعادهم عن الدين، وفي مثل هذا التفكير تتم تغذية القيم المطلوبة والمرغوبة لدى كل فرد للقبول في منظومته الاجتماعية، وتتم مهاجمة كل من يثير التساؤل والنقد للقيم السائدة وإخراجه من دائرة القبول إلى الرفض، ما يدفع بالكثير إلى تجنب التفكير النقدي والتساؤل أو حتى المطالبة برفض القيم السلبية، ولأن الجميع يسعى للقبول ونيل الإعجاب في مجتمعه فلا يمارس عموم أفراد المجتمع النقد لواقعهم بل يلجأ الغالبية إلى الاستمرار في تقبل وممارسة كل ما يمليه عليه مجتمعهم من قيم أو تقاليد بلا أي تفكير متعمق. ولنأخذ مثالاً على ذلك مسألة التجديد، فكل جديد ينظر إليه بحذر وشك، خصوصاً إذا كان مستجلباً من الغرب، ولا ينظر إلى فوائده ولا قيمه حتى وإن جلبت للناس حلولاً للكثير من معاناتهم، أما لماذا نحتاج الآن إلى إعادة التفكير بشكل أعمق كمسؤولين ومواطنين في مواجهة التغيرات في ظروف الحياة فلأن الاعتماد واللجوء السهل إلى قوانين وأنظمة جامدة تحارب التطوير كعدو لدود لن يتسبب في اختفاء المشكلات بل سيزيدها تعقيداً، وسيلجأ كل صاحب مشكلة لم يجد قانوناً يستوعبه ويدعمه إلى الغش والتدليس بكل ما يتبعه ذلك من مشكلات جديدة ومطالبات أخرى، وفي غياب تمثيل رسمي لمطالب العامة لدى صانعي القرار فالبديل هو الاعتماد على حنكة المسؤولين وتفكيرهم – وإن كان هامشياً – لاستشعار مشكلات ومستجدات المواطنين والاستجابة لها، وهو ما ثبت لنا ومن خلال العديد من المتابعات قصوره كحل، وعليه فلا مفر لكل شخص من إخضاع كل قيمة ومفهوم للتحليل والنقد وعدم الاعتماد المطلق على المسؤولين لصناعة عالمه وتعديله إن لم يتناسب مع ظروفه، وهو ما يعود بنا إلى ضرورة منح الفرصة لكل إنسان في الاطلاع والتعليم بلا قيود فكرية ومنحه الحق في مشاركة فكره وتحليله مع مجتمعه بكل الوسائل، مما يبرز أهمية دور الأفراد في صناعة مجتمعهم المدني وأهمية وجود جماعات ضغط مدنية لإبراز مشكلات العامة والخروج بحلول خلاقة لها كما تناسبهم وليس كما تناسب صانعي القرار، التفكير النقدي في النهاية لا يعني أن يصبح الشخص خبيراً في وسائل التفكير ولا حلول المشكلات، ولكن يتطلب أن تصبح بوصلته الخاصة حية وحاضرة في تمييز ما يناسب المنطق وواقعه الشخصي من قوانين وأحكام وما لا يناسبه، وألا يتجاهل شعوره بعدم الرضا عن وضع ما، ويلجأ للانعزال وإخفاء امتعاضه، خوفاً من التصريح وإبداء اختلافه، فالخطوة الأولى نحو مجتمع مفكر ومتجدد أن يمنح كل منا كامل الثقة لنفسه ليفكر بعمق

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s