الذكر حارس الفضيلة و المرأة حاملتها

لا نرى في العادة أنفسنا سوى بمرآة الغريب، والمرآة هنا هي مدونة تكتبها سيدة أميركية تعيش مع زوجها في المملكة، كتبت تعليقاً على مفهوم «الشرف» لدينا من خلال حادثة الأخ الذي أردى أختيه أمام باب الرعاية الاجتماعية وهن بصحبة والدهن، والعفو الذي أصدره ولي الدم «الأب» فور الحادثة عن ولده، معللاً ذلك بكونه أنقذ شرف العائلة، تتساءل هذه السيدة عن مفهوم «الشرف» الذي يجعل الأخ يقتل أختيه لخطأ ما في سلوكهما؟ وهل هو نفسه «الشرف» الذي يجعل شاباً سعودياً يتحدث بكل أريحية عن مغامراته العابثة مع النساء في شقته الخاصة في برنامج تلفزيوني يشاهده الملايين؟… السؤال المطروح على متابعي المدونة هو «لماذا تعتقد أن هناك تركيزاً كبيراً على تحميل الإناث مسؤولية شرف العائلة، وما يلحقها من عارٍ، بينما لا يوجد المفهوم نفسه في حالة الذكور، ولا يتحمل الرجل مسؤولية أفعاله؟ وماذا يعني التركيز على المرأة في مكانة الرجل ومسؤوليته الأخلاقية عن أفعاله، وفي علاقات الأسرة وتعاملاتها، وفي دور المرأة في المجتمع السعودي؟

هذه الأسئلة موجهة بالطبع إلى قراء المدونة من المهتمين بالشأن السعودي، ووضع الأسرة ومكانة المرأة في المجتمع، هي مفارقة هنا تستحق التوقف، فالشرف واحد ولكنه يكيل بمعيارين اثنين بحسب جنس الشخص، فهو في حالة الأنثى مدعاة للقتل، وفي حالة الشاب مدعاة للفخر والتبجح، وهو أيضاً لا يثير أياً من عائلة الشاب لقتله أو حتى التبرؤ منه، أو على الأقل هذا ما شاهده المتابعون على أرض الواقع، أما الردود التي تلقتها كاتبة المدونة على التعليق فقد تراوحت بين استنكار الحادثة والاحتفال بقتل الأرواح كتعبير عن الثأر للشرف، وبين مدافعين عن المبدأ ومطالبين بتوقيع العقوبة نفسها على الشاب السعودي، والمثير للتأمل أن هذا الشاب يحاكم الآن بسبب دعاوى قضائية رفعها مواطنون غيورون لمجاهرته بممارساته الخاصة وليس بسبب اعتراض أفراد أسرته على أفعاله.

جرائم الشرف في عالمنا العربي مرتبطة بالمرأة بالتأكيد، فلا تثأر أي عائلة من رجل من أفرادها لاختراقه أياً من الأخلاقيات أو السلوكيات المطلوبة، بينما تتحمل المرأة وحدها وزر العقوبة بتشجيع من المجتمع الذي لن يرحم ذكور وإناث الأسرة من التعريض والتشهير بسبب فعلة المرأة وليس الرجل، وفي العالم العربي تنعدم الإحصائيات تقريباً عن عدد النساء المقتولات أو المعذبات بسبب سلوكياتهن من أفراد الأسرة، ولا تظهر سوى بعض الإحصائيات القليلة التي تصل إلى مؤسسات القانون كحادثة الفتاتين في الرياض، ويظهر تقرير التنمية العربي الصادر في العام 2005 أن عدد النساء المتعرضات للقتل على خلفية جرائم الشرف وصل في عام واحد إلى عشرين حالة قتل، وخمسة عشر محاولة قتل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بينما تقتل عشرون امرأة على التقريب في الأردن سنوياً للسبب نفسه، وعلى خلفية تعامل المجتمع التقليدي بعموم أفراده مع المرأة ككائن يحمل ميثاق العفة والشرف عن جميع أفراد الأسرة وليس كبشر قد يخطئ أو لا بالضبط كما الرجل، فهناك خلل كبير في تعامل القائمين على تنفيذ القانون في المجتمع «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» مع مثل تلك الأحداث والوقائع بما يتناسب مع المصلحة العامة، فالتشهير بالنساء من المخالفات للآداب والقانون وإعلام أسرهن في مجتمع يطالب بأرواحهن ثمناً للزلل والخطأ هو أمر في منتهى الخطورة، وليس من المستغرب بعدها أن يردي الأخ أختيه بتصويب بارع وبقلب قوي وبلا تردد على باب مؤسسة الرعاية الاحتماعية – وهي مؤسسة رسمية – تحت أنظار والده، بلا أي خشية أو اعتبار من قانون أو أسرة.

الحادثة بالفعل تطلق جرس الإنذار في وضع المرأة في الأسرة ومكانتها، كما أشارت كاتبة المدونة والمرتبطة بتنفيذ سلوك حميد، أو مطلوب من الأسرة أو المجتمع، فإن أخطأت أو زلت فلا مجال للعودة أو التصويب، وعليه فالمطلوب من كل الإناث، وليس الذكور، أن يستقمن في سلوكياتهن في توقع خيالي لمجتمع فاضل لا يشوب أي من أفراده الخطأ، وهذا التصور لا يصدر سوى عن عقل ساذج، الذي نفتقده في التعامل الرسمي مع المؤسسات المعنية بضبط الأخلاق والسلوك الرسمي والترويج للفضيلة هنا هو المنهج الفاضل في التعامل مع مثل تلك الحالات، فلا يمكن أن نشجع الفضيلة بالتشهير بالمرأة في مثل تلك البيئة في حلقة لا تؤدي إلا إلى المزيد من العنف والرذيلة، فلم يتحقق تقويم سلوك الفتاتين وانتهت المشكلة بقتلهما على يد أخيهما الذي سيبقى حياً ليتذكر وأسرته تلك الفاجعة التي لن يمحوها أي من اعتبارات رد الشرف.

أختم هنا برد تلقته الكاتبة عن أسئلتها عن وضع المرأة «الأمر بسيط للغاية، عندما يضع المجتمع اعتبارات الشرف على كتفي المرأة، يصبح الرجل عندها حراً من المساءلة والمسؤولية، وعندما يحدث خطأ ما، يتم إلقاء اللوم فيه على المرأة «لماذا تعتقدين أن النساء ضحايا الاغتصاب تتم معاقبتهن بدلاً من دعمهن؟ هذا النظام الاجتماعي يسمح للرجل بفعل ما يشاء بلا أي مسؤولية عليه أو عواقب، فيستطيع عندها تحميل الخطأ على النساء، بينما ينجو هو بأي فعلة من العقوبة».

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s