التجارة العادلة

هل يمكن للمواطنين التدخل في تشكيل ملامح الشركات التجارية والتحكم في نوعية الخدمات المقدمة لهم؟ هذا ما تهدف إليه مبادئ حركة التجارة العادلة، وهي حركة اجتماعية تم تبنيها بواسطة منظمات عالمية عدة دينية ودولية، كمنظمة العفو الدولية ومنظمة التجارة العالمية، وتهدف الحركة إلى تشجيع المساواة بين المتعاملين تجارياً في المجتمع الدولي وإلى تحقيق التنمية المستديمة للمجتمعات الفقيرة والنامية في المناطق الجنوبية للعالم، وذلك عبر إلغاء شركات الوساطة التجارية والتعامل مباشرة مع أصحاب المهن والمصدرين ومنحهم أجوراً أعلى، وبذلك يستطيع المستهلك في المجتمعات الصناعية المتقدمة أن يختار تلك المنتجات الملتزمة بمبادئ الحركة، وأن يدعم في الوقت نفسه الصناعات التي تنتجها الدول الفقيرة، فيؤدي ذلك إلى تحقيق التنمية المستديمة في تلك المجتمعات، وقد نجحت الحركة في دعم عدد كبير من المنشآت والصناعات في المجتمعات الزراعية والرعوية الفقيرة في تجارة البن والأرز والبهارات والفواكه الطازجة والمكسرات، إضافة إلى الحرف اليدوية الصغيرة، وتبنت شركات عالمية كشركة البودي شوب وشركة ستاربكس للقهوة منتجات تلك المجتمعات لدعمها وتشجيع أفرادها للنهوض بمجتمعاتهم، وبسبب النجاح الذي حققته حركة التجارة العادلة لسكان المناطق الفقيرة قامت الأمم المتحدة بتنبني ودعم أهداف الحركة، وذلك عن طريق وضعها ضمن أهداف الألفية القادمة بحلول عام 2015، وذلك بتشجيع طرق التعامل التجاري والمالي المبنية على مبادئ التجارة العادلة، وبذلك وبتشجيع الكسب المستمر للأفراد يتم تشجيع الأهداف الأخرى للألفية التي تشمل التقليل من شيوع المجاعات والفقر وتعليم الأطفال إلزامياً وتقليل نسبة وفيات الأطفال بسبب سوء التغذية، أو اعتلال صحة الأمهات.

ففي مجال تجارة البن مثلاً يستطيع المزارع من دولة فقيرة أن يتعامل مباشرة مع شركة عالمية لتوزيع القهوة فيمتلك ويتحكم في مستوى إنتاجه ويحصل على ما يعادل 70 في المئة من الربح، ويشترك في التدريب والدعم الذي تقدمه الشركة المتعاملة معه تجارياً لتحسين إنتاجه انطلاقاً من مبدأ التجارة العادلة، وتعمل الشركة الموزعة على تقديم القروض للمزارعين لتحسين جودة إنتاجهم وطبع ختم التجارة العادلة وبلد المنشأ على المنتجات لضمان تعريف المستهلكين في البلدان الأخرى بها وتشجيعهم على اختيار منتجاتهم، وبذلك يتم تحقيق أهداف المسؤولية الاجتماعية واحترام أخلاقيات التعاملات التجارية، فلا يصبح هناك خمسة في المئة من سكان العالم في الدول المتقدمة يستهلكون وحدهم ما يزيد على خمسة وعشرين في المئة من مصادر الطاقة في الأرض، بينما لا يمتلك أربعة بلايين شخص، يعيشون تحت خط الفقر في العالم ككل، وسيلة ما للحصول على أساسيات الرعاية الصحية والغذاء والتعليم، وبالرغم من البدايات الواعدة لمؤسسات التجارة العادلة بواسطة جماعات دينية واجتماعية باحثة عن العدالة للجميع، إلا أن الأهداف التي وضعتها الأمم المتحدة لا تزال بعيدة عن التحقيق، وعلى الأخص في ظل صعوبة الالتزام بمبادئها في المجتمعات التي تعيش في ظل أوضاع سياسية واجتماعية بدائية أو مضطربة تمنع الاستقرار اللازم لتحقيق أهداف التبادل التجاري العادل.

في المملكة العربية السعودية عملت بعض الجمعيات الخيرية على تبني مبادئ التجارة العادلة كوسيلة لتشجيع العائلات المتعثرة مادياً على الكسب، وأنشأت لهذا الغرض معارض تجارية تعرض منتجات الأسر وذلك بأسعار منافسة للسوق، والعقبة التي واجهتها مثل تلك الخطوة هي أن المسؤول عن ترويج إنتاج الأسر الفقيرة ليس موزعاً محترفاً مهتماً بالربح بالضرورة، بل هي هيئة حكومية لا تدرك أهداف السوق ولا حاجته، وكان من الأفضل أن يتم اختيار موزع محترف للأعمال الفنية أو المنتجات المنزلية وتسليمه مهمة ترويج أعمال الأسر الفقيرة، ولذلك ربما لم يسمع أحد عن هذا المعرض واعتمد في تسويق إنتاجه على هبات سخية من العضوات المعنيات بالعمل الخيري، ولم تصل الفكرة الهادفة إلى عموم مدينة جدة، أو إلى المستهلكين في السعودية، ناهيك عن العالم ككل، والمجتمع المحلي هنا يضم فئات كالشباب أو السيدات بلا تأهيل أو عائل، يمكن لمبادئ التجارة العادلة أن تحقق لهم مخرجاً مثالياً من حدود الفقر، فتمنحهم القدرة على الترويج المستمر لمنتجاتهم والعدالة في الحصول على عائد مادي مقبول، ولا شك أن المستهلكين هنا بإثارة الوعي بأهمية دعم أبناء وبنات وطنهم سيقبلون على اختيار المنتج المحلي إذا ما تميز بالجودة المماثلة لنظيره المستورد، أو المصنوع بأيدٍ غير سعودية، وربما تصبح التجارة العادلة لدينا هي المخرج لآلاف السعوديين والسعوديات بلا عمل لائق إذا ما تحلت الشركات هنا بحس المسؤولية الاجتماعية اللازم لصناعة التنمية المستدامة.

2 Responses to التجارة العادلة

  1. noudi قال:

    برأيي حتى تنجح منتجات التجارة العادلة لدينا في السعودية تسويقيًا هو أن تحمل هذه المنتجات علامة التجارة العادلة ، وفي النهاية ذلك يعمتد على وعي المستهلك وثقافة المجتمع وأسلوب الحياة ..

  2. nasreldin قال:

    سلام الاخت هالة الدوسري
    احي ان اتواصل معك بخصوص التجارة العادلة نحن منظمة تعني بتطوير معاير التجارة العادلة nasreldin@ftado.ch

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s