البحث عن الآخرة

هل يُعقل أن تجد دعوات لإحياء الحياة، كما كانت بكل صورها قبل أربعة عشر قرناً، صدى لدى الإنسان اليوم؟ وعلى الأخص لدى الإنسان العربي الذي كلفه التأخر العلمي والفكري والسياسي الكثير من الخسائر في الأرض، ونخبة من أبنائه ودعم شركائه في الحياة على الأرض؟ الوقائع تقول نعم، يمكن أن تجد دعوات ترفض الحياة بصورتها الحديثة، وتصر على مظاهر الحياة كما كانت قبل 14 قرناً، طمعاً في المزيد من التقوى والحرص على الهوية، ولا تجد لمبدأ الانتقاء أو التعايش مع الاختلاف أي صدى، في لقاء تلفزيوني أثار الكثير من ردود الأفعال أوضح الشيخ الدويش آراءه من الحياة الحديثة ورفضه لتعليم بناته أو أبنائه في المدارس النظامية، واختياره مراكز تحفيظ القرآن بديلاً للتعليم الرسمي، بداية ليس الشيخ الدويش وحده الذي يرفض ذهاب أبنائه وبناته للمدارس ويصر على تحفيظ القرآن كوسيلة وحيدة للتعلم النافع، فالزائر لأي من مراكز تحفيظ القرآن سيجد غالبية من الأطفال والشباب هناك قد حرموا من التعليم النظامي، وما كان من الممكن أن يؤولوا إليه مستقبلاً في أحد العلوم أو الآداب، ولا أختلف مع الشيخ بالتأكيد حين أكد ضعف مؤسسات التعليم النظامي في المملكة، فالجميع، وعلى الأخص ممن درس بالخارج، يدرك الفرق الشاسع في نوعية التعليم هنا وهناك، ليس الخلاف هنا في كفاية تحفيظ القرآن للقيام بحياة عملية منتجة ومثمرة، ولا يبحث الشيخ وغيره ممن يتمسكون بإرسال أبنائهم وبناتهم إلى مدارس التحفيظ وحدها – أو إبقاء بناتهم في البيوت انتظاراً للزواج بعد الفتوى الشهيرة – عن جودة التعليم، حيث لا تختلف كثيراً أساليب التعليم في مدارس التحفيظ عن المدارس النظامية سوى في المواد المقدمة، وليس في إثراء مهارات البحث أو التحليل المنطقي أو الإبداع عموماً، ولكنهم يفعلون ذلك من باب سد الذرائع والإيمان المطلق بشر علوم الغرب وأثر الحضارة الحديثة عموماً، والإيمان المطلق أيضاً بفناء الحياة الدنيا وعدم جدوى السعي فيها أو بنائها، ولا أدري كيف يمكن أن يكون الدين مطية لمثل تلك الدعوات التي تزيدنا تخلفاً وتراجعاً واعتماداً على الغرب الذي يرفضونه في كل مظاهر الحياة والدولة.

تأملت كثيراً في واقع ومستقبل أجيال لم تتعلم سوى الوعظ الديني وتفسير كل محاولة للاندماج مع العصر الحديث بأنها مؤامرة غربية، كم هي مغيبة عن واقع العالم وعن رؤية مستقبل قاتم ينتظرنا إن لم نتحرك الآن، في محاضرة واحدة في نهاية هذا الفصل الدراسي تأملت كيف خرج 16 طالباً وطالبة بمشروع لتطبيق واستخدام مبادئ برنامج علمي تعلموه على مدار 14 أسبوعاً فقط، كيف استطاع كل منهم أن يخرج بفكرة ما في مجال اهتمامه لتحقيق هدف حيوي، بداية من تحديد المسار الأمثل لناقلات النفط، بحسب التيارات البحرية، مروراً بتحديد تغيرات مناطق الجريمة في مدينة ما لمساعدة جهود الشرطة، وانتهاءً بتصميم مسار لخط مواصلات بداخل مدينة مكتظة، ولم يتوقف أحدهم عند مشاكل نصدع بها مثل تواجد النساء في مكان الدراسة أو العمل أو غيرها، لماذا نعاني من مخاض الدخول في الحياة الحديثة، على رغم كل مظاهر التأخر العام حولنا، يحدث هذا عندنا ونتداوله بصدر رحب، كما نتداول كل مظاهر التخلف العلمي والحضاري، كزواج الصغيرات الذي لا تستطيع الدولة منعه.

نحن نقف دائماً عاجزين عن حل مشكلة «السعودة» المزمنة، وعن احتواء السعوديين من أبناء هذه التنشئة في المكان الوحيد الذي يفترض به أن يستوعبهم، ضعف تأهيل المتقدمين وعدم التزامهم بساعات عملهم وأخلاقيات العمل الغائبة عادة تواجه كل محاولات «السعودة» الجادة، إضافة إلى اتهامات التعصب والتشدد التي تواجه كل سعودي، محاولات اجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية في بيئة عمل محلية لا ينظمها قانون تجاري واضح تقابل دائماً بالفشل، ارتفاع مشكلات الأخطاء الإدارية والكارثية أحياناً في معظم القطاعات، كل ذلك يدعونا للتوقف وإعادة النظر في كل ما نعمل بموجبه وندرك مدى فشله، المحاولات الحكومية الأخيرة في دفع عجلة التعليم النوعي وابتعاث السعوديين والسعوديات للخارج قد لا تجد أي نتيجة ملموسة على أرض الواقع إذا لم يتم توفير بيئات مناسبة للعمل والإنتاج عند عودتهم، ماذا يفعل مهندس اتصالات فضائية مؤهل في ظل انعدام صناعة الطائرات، ماذا يفعل خبير الجودة الإدارية في غياب الأنظمة والهيكلة وانتشار الفساد الإداري، مما يدفعنا لتحليل العامل الأهم في الحضارة، وهو ليس بالتأكيد الإعداد المادي فقط ولكن التأهيل الفكري والثقافي، فأن يصبح ديننا هو علة التخلف والتراجع ورفض العلوم الحديثة أو تطوير وبناء الحياة، فهو ما لا يقبله منطق، وهو يعيد للحياة نظام الكنيسة في أوروبا وآثاره المرعبة على تراجع العلوم والثقافة في عصور الظلام، فهل نحن مضطرون هنا لأن نعيد إحياء تاريخ أوروبا من جديد والمرور بمراحل المخاض المرعبة نفسها لندرك في النهاية تأثير الجمود والتراجع العلمي في انحدار أمتنا؟ تدق مقابلة الدويش وإبراز هذا الفكر ناقوس الخطر لكل مسؤول عن هذا الوطن، وعلى الأخص لمسؤولي التعليم هنا، إعادة النظر في سياسات التعليم وإلغاء الرقابة على المطبوعات وفتح المجال لإعلام حر يبرز بشفافية مزايا وعيوب كل فكر هي الخطوات الأولى فقط لإعادة التوجيه، والتركيز على حماية المظاهر الدينية لا ينبغي أن يحملنا بعيداً عن تحقيق مصالحنا والنظر بعقلانية لإثراء حياتنا على الأرض، وتمكيننا كأمة قوية عاملة ومنتجة في كل نواحي الحضارة، الحوار الذي أدلى به الدويش يعيد للأذهان رسالة بن لادن وغيره، ويبرز إلى الواجهة الخوف من أن نتحول إلى أفغانستان ثانية، فهل نحن بحاجة إلى أكثر من ذلك لنفيق ونعيد صياغة سياساتنا، بحيث لا نسمح لمثل تلك المهازل أن تستمر؟

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s