إعادة نظر في قانون الزواج والطلاق

حملت الأيام السابقة أخباراً جديرة بالتوقف والتساؤل حول أوضاع الزواج، هناك مثلاً خبر عودة «طليقي النسب» بعد رد محكمة التمييز الحكم المبدئي بانفصالهما وبعد خمس سنوات من الانتظار المدمر للزوجين، وهناك خبر إنهاء النظر في قضية طفلة القصيم التي زوجها والدها لثمانيني بعد حضورها للمحكمة لإقرار موافقتها على الزواج بِراً بوالدها، وتنازل والدتها عن الاعتراض على الحكم، وهناك أيضاً التصريحات التي أطلقتها سيدات النخبة، وأولهن الأميرة عادلة بنت عبدالله، برفضهن لزواج الأطفال وعملهن مع المسؤولين لتقنين سن الزواج، وعلى رغم أن الاتجاه الرسمي على مستوى الدولة يبدو متجهاً إلى تقنين سن زواج الصغيرات، أسوة بدول أخرى، لا تزال الكثير من الصغيرات تحت سلطة أب أو زوج يستطيع في الوقت الحالي أن يفعل بهن ما يشاء حتى يتم البت في قانون سن الزواج والعمل به، والمأمول ألا يأخذ ذلك من المسؤولين الفترة نفسها التي استغرقها البت في قضية «طليقي النسب»، وهو إن كان يدل على شيء فإنما يدل على غموض قوانين الزواج هنا وعدم توافر البدائل الكريمة للإناث في الحياة المستقلة بعيداً عن تسلط الأولياء، كما يدل على ضعف التدخل الرسمي في قضايا الأسرة والأحوال الخاصة، وهو ما شهدناه تكراراً في قضايا إعادة الفتيات والأطفال إلى أوليائهم بعد أخذ تعهدات ما عليهم ومن دون عقوبة ما تذكر على التقصير في حقوق الأطفال والفتيات، وربما كانت المسؤولية الاجتماعية والعمل الرسمي في مجال الأسرة لا يزال خاضعاً إلى قيم سابقة في التعامل مع الأطفال والنساء، قيم القبيلة مثلاً التي تُلزم الجميع بالطاعة المطلقة لولي الأمر، وإن آثر مصلحته الخاصة على مصلحة الآخرين، التي تعتبر الأفراد في حكم الممتلكات الخاصة لرئيس العائلة أو القبيلة فيتصرف فيهم كما يريد، ولا يمكن في هذا المجال إغفال التطور الحادث في نواحي الحياة في المجتمع ككل.

فحالات زواج الصغيرات لا تحدث في العادة إلا في أوساط محدودة وتكاد تكون متشابهة في نسقها الاجتماعي، فمعظم الحالات يظهر فيها أثر الفقر والجهل والتفكك الأسري، والأهم التأثير الديني المغلوط في الحصول على مخرج ما مقبول لتزويج الصغيرات، ورد طفلة القصيم مثال واضح حين أكدت أنها وافقت على الزواج طاعة لوالدها وبِراً به، فمتى كان الزواج تحقيقاً لمصلحة الأب واجباً دينياً؟.

كما أكدت التعليقات المنشورة للمتابعين المؤيدين لزواج طفلة القصيم وجود المرجعية الدينية في قضية الزواج من الصغيرة لعدم تحديد سن الزواج في الإسلام وممارسته من الرسول الكريم والصحابة من بعده كعادة مقبولة اجتماعياً في القرن السابع الميلادي، وهو ما يبرز الحاجة إلى صوت أصحاب القرار والسلطة الدينية في المجتمع هنا وتدخلهم بحزم لحل مثل تلك الظاهرة وغيرها من ظواهر التفريق والجمع بلا أي مرجعية متكاملة سوى مرجعية الممارسة السابقة في عصر ما.

الزواج هنا مثله مثل الطلاق وقضايا الحقوق الخاصة والعامة يدور في نطاق غامض بين الولي والقاضي والشريعة والعرف وكتب الفقه الموضوعة في وقت ما قبل قرون عدة، ولا يوجد أي تطوير حقيقي للنظر في الزواج والطلاق في إطار المصلحة الشخصية للطرفين الذكر والأنثى نفسياً واجتماعياً واقتصادياً، والزواج في أحواله كلها مثله مثل أي نظام اجتماعي في حال مستمرة من التطوير والتغيير في دوافعه وفي أوضاعه، كما أن إشارات التحول الاجتماعي في أنظمة الزواج والطلاق بدأت في الظهور في زيادة نسبة التعليم بين الفتيات والحصول على المعرفة بلا تقنين من خلال وسائلها المختلفة، وهو ما أعطى الطرف الأضعف هنا القوة لإدراك التجني ومحاربته في مؤسسة الزواج، ومثل قانون الرق الذي تم إلغاؤه كنظام اجتماعي ضار وغير عادل، على رغم إباحته دينياً، فلا يوجد ما يمنع الآن من تعديل نظام الزواج وقوانينه بالمنطق نفسه، وفي كتابها «مرتبطة» تسرد إليزابيث جيلبرت وصفاً لمؤسسة الزواج عبر العصور، فتؤكد أن الزواج متغير وأنه عبر القرون والحضارات المختلفة تغير في قوانينه وأوضاعه بصورة منتظمة كي يخدم تغيرات الناس الاجتماعية والاقتصادية والشخصية، كان الزواج في بعض العصور ارتباطاً اقتصادياً بين أطفال وارتباطاً اجتماعياً بين رجل وعدد من العائلات والنساء، وكان حتى بين رجلين في روما القديمة لتحقيق مصالح استراتيجية، أما في الصين القديمة فكان الزواج يتم بين امرأة ورجل ميت لتحقيق مصلحة ما بين قبيلتين. وأضيف هنا أننا وجدنا مخرجاً دينياً واجتماعياً للرجل للزواج بإصدار الفتاوى العامة كزواجي المسيار والمتعة وغيرهما ولم نوجد الحلول نفسها للنساء اللاتي لا زلن أطرافاً مهضومة الحقوق في الغالب في مؤسسات الزواج الرسمية، وبكل صوره الشرعية بداية من حرية الاختيار التامة وليست المتاحة لشريك الحياة وانتهاءً بحقوق الأم على الأطفال في الزواج والطلاق.

النساء هنا أصبحن غالبية متعلمة وأقلية مفكرة، وبدأت ثورة الاتصالات تنعكس على وعي الناس عامة والنساء خصوصاً بواقع مجحف جعل ما كان مقبولاً ومتداولاً بصورة متكررة أمراً شاذاً ومثيراً للغضب والتمرد، والمأمول من لجنة تعديل سن الزواج أن تلتفت أيضاً إلى كل المغالطات التي تمارس في مؤسسة الزواج لتفضيل مصلحة طرف على آخر، وان تنظر في مصلحة طرفي الزواج معاً في تعديل قوانينه وممارساته، وربما تكون تلك هي الخطوة الأولى في إصلاح المجتمع ككل بإصلاح نواته أولاً وعدم ترك ثغرات ما في القانون لخدمة فئة على حساب الأخرى.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s