أسرى تاريخ بتفكيرانتحاري

في التعليق على القرار الأميركي الصادر أخيراً بفرض أساليب التفتيش الذاتية على القادمين من 14 دولة معظمها إسلامية، تظهر ملامح العقلية العربية السائدة في التعامل مع المشكلات، فتظهر شريحة كبرى من المسلمين ومن السعوديين تدعو إلى الرد المضاد بمقاطعة أميركا ودول أوروبا لتعاملها العنصري غير الحضاري مع المسلمين، وهذا القرار الحماسي والعاطفي بإعلان المقاطعة التامة يأتي، على رغم استحالة تطبيقها عملياً، وعلى رغم قلة حيلتنا، وتزايد القيود على تنقل وسفر المسلمين إلى الغرب وليس إلى الولايات المتحدة الأميركية فقط، ليس وليد العنصرية ولا اللحظة، وليس بالتأكيد وليد التخلف الحضاري في تلك الدول في التعامل مع المسلمين، ولا يستطيع المتابع النزيه سوى إقرار الإجراءات الأمنية المشددة التي تتخذها تلك الدول ضد الإسلاميين، فليس هناك حل آخر لتحقيق الأمن سوى بالمزيد من التدقيق والكشف، بعد توالي ظهور الإسلاميين المستعدين لتفجير أنفسهم وتفجير العالم معهم لتحقيق نصرة الإسلام، وها نحن أولاء نحصد المزيد من القيود والعداء ضد المسلمين، والمزيد من سوء السمعة التي لحقت بالإسلام، فالإسلام الآن هو الدين الذي يدعو أتباعه للعنف لتحقيق الانتصار على الغرب، وإن عنى ذلك قتل الأبرياء والأطفال، والبحث في تعريف الإرهاب الإسلامي الآن لمن يجهله يصل وبضغطة زر على لوحة المفاتيح الإلكترونية إلى الآتي: «الإرهاب الإسلامي هو التعبير الشائع عن العنف المرتبط بالانتماء للإسلام، وهو يهدف إلى ترويج وحماية القيم الإسلامية الثقافية والاجتماعية ضد الاستعمار والغزو الغربي أو غير الإسلامي والمعروف لدى المتطرفين الإسلاميين بدار الحرب».تعود جذور الفكر الإسلامي المتطرف إلى تحكم القوى الاستعمارية الكبرى في الممالك الإسلامية بعد سقوط وتفكك الامبراطورية العثمانية في العام 1918 في محاولة انتقامية ورد فعل على الغرب بصفة عامة. على رغم أنني تنفست الصعداء حين علمت بعدم ارتباط الصومالي الانتحاري بالسعودية بأي شكل في التدريب والإعداد للعملية الفاشلة، إلا أني كغيري من المتابعين لا أستطيع إنكار أننا ومن بين كل الثقافات الإسلامية الأخرى نحمل الكثير من المسؤولية في نشوء التطرف الديني والعنف، وهو لما للمملكة العربية السعودية من مكانة لدى مسلمي العالم بوصفها مهبطاً للوحي ومرجعاً دينياً في التفسير والفقه الإسلامي، وهذه المكانة بالذات هي التي تجعلني كغيري من المتابعين نتساءل عن دور علماء ورجال الدين في المملكة في مواجهة مثل تلك الحوداث، إذ كان من المتوقع أن يصدر بيان ما يشجب مثل تلك العمليات الانتحارية ويؤكد للعالم وللمتابعين من غير المسلمين ومن المسلمين على حد سواء براءة الإسلام وفكره من دم الأبرياء، وهو ما لم نشاهده حتى الآن، ولو من باب دعم الشريحة الكبيرة من المسلمين المقيمين في بلاد الغرب، فيكفي ما ينالهم من تضييق وسوء فهم وتحيز نتيجة مباشرة لفعل أقلية متطرفة، ولو اختارت كل بلد فشلت في معركة أو حرب ما أن تستمر في مقاومتها على عبثيتها وانعدام تأثيرها في ما عدا التأثير السيئ الذي ينال من الكثير من أبناء الإسلام لما كنا وجدنا دولة مثل اليابان تستفيق بعد القنابل النووية الأميركية على مجد تكنولوجي واقتصادي رائد، لم يكن ليتحقق لو استمر «الكاميكازي» الياباني في تبني مبدأ الانتحار لتحقيق نصر زائف. علماء المسلمين مطالبون الآن بالخروج إلى عالمهم أولاً بشكل حضاري يتماشى مع الواقع والعصر ومن ثم مخاطبة العالم ككل، إنهم مطالبون لأجلنا كشعوب تبدأ مسيرة التنمية التي تتطلب الاعتماد الجاد على كل مصدر للعلوم والحضارة والثقافة بنشر ثقافة السلام والتعاون، والنظر إلى مصالح تلك الشعوب المسلمة التي أرهقتها أسباب الفرقة والتخلف والجهل، نحن بحاجة إلى نبذ مبادئ العنف والدمار والدعوة إلى بناء المجتمعات الإسلامية الحافلة بكل المشكلات الاقتصادية والفكرية والاجتماعية من جديد، والنظر بعين العدل والواقع إلى معادلة البناء الناجحة وتوجيه الطاقات والجهود لما يخدمنا شعوباً ويرتقي بنا بعيداً عن أسر التاريخ المؤلم، نحن بحاجة إلى قادة حقيقيين من سياسيين وعلماء ومفكرين للخروج من نفق الفشل المظلم الذي يلاحقنا منذ قرون والبدء من جديد، وحتى مع الاعتراف باستغلال القوى العظمى في العالم للدول الأضعف فلا يبدو الحل منطقياً في اختيار الموت والانتحار سبيلاً للقوة والنصر، اعترافنا بالضعف والحاجة إلى التنمية والتعاون مع الغرب والشرق على حد سواء هو الخطوة الأهم لبناء مستقبل نفخر به بدلاً من تغذية تاريخ مؤلم دموي يدعو شاباً كعمر الفاروق وغيره من أبناء هذا الدين للانتحار.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s