أزمة سارة

عندما يمارس الرجل – كعادته منذ بدء الخليقة – التنظير حول أوضاع المرأة في احتكار عجيب للحكم والقرار والترويج له أيضاً، فليس ذلك من باب العلم بالشيء، وهو السبب الوحيد ربما المقبول للفتوى في أمر ما، وهو ما يعكسه المقال المنشور أخيراً للكاتب محمد حسن علوان في صحيفة «الوطن»، وهو مقال لا نرى فيه أثراً لعقلية الأديب والمفكر التي يفترض بالكاتب انتهاجها، في مقاله يسرد علوان مقارنة مطولة بين شخصيتين حقيقيتين تحملان الاسم نفسه «سارة السعودية وسارة الأميركية»، ويتعرض لاختلاف نمط الحياة لكل منهما، ملوحاً بحالة التفرغ وضآلة المسؤوليات لدى سارة السعودية المرفهة، مقارنة بنظيرتها الأميركية التي صورها الكاتب في حياة مرهقة، وهي تعيش على قروض دراسية محدودة، في سكن جامعي مشترك، وتعمل معظم ساعات يومها للحصول على النتيجة نفسها.

الكاتب هنا وقع بالتأكيد في مآزق عدة، أولها أن مبادئ المقارنة تقتضي منه، ليس فقط البحث عن الوضع المادي لدى الطالبتين، ولكن في النظرة الشمولية لكل جوانب حياتهما وفي النتائج الملموسة لأي من أسلوبي الحياة، والتركيز على اعتماد سارة الأميركية على نفسها في البحث عن الدخل ليس هو الفرق الوحيد بين حياة الشابة السعودية ونظيرتها الأميركية، والمأزق الآخر هو محاولة إبراز الشابة السعودية كشخصية مرفهة تنتظر من المجتمع والأهل أن يوفروا لها طلباتها كافة بنجاح كبير في معظم الأحيان، وهو ما يخالف الواقع، وهو يلوح بأن شكوى الشابة السعودية تتمحور حول قلة وسائل المتعة والترفيه المتاحة لها، بينما تتوافر للشابة الأميركية هذه الوسائل ولا تصل إليها بسبب قلة مواردها، فهل نلمس هنا تسطيحاً ما لواقع حياة الشابة السعودية؟ كنت أفضل لو أن الكاتب قدم المقارنة بين أسلوبي الحياة والتفكير بين الشباب السعودي والأميركي بعيداً عن تاء التأنيث، فهو هنا يبرز الفرق بينهما وكأنه محصلة لوضع أنثوي بحت وليس معمماً على الشباب بغض النظر عن جنسه، أما لماذا قدم الكاتب تلك الفكرة بداية فهو يقول «الشاهد هو أن سارة الأميركية تتمنى كل ما لدى سارة السعودية من بيت وعائلة وسعة مادية، بينما السعودية تتمنى كل ما لدى الأميركية من الانطلاق والمعايشة وخوض التجربة الجامعية الحقيقية»، وهنا «يفترض» الكاتب أن سارة الأميركية سترتضي وصاية أهلها والمجتمع عليها في كل جوانب حياتها، بدايةً من المظهر وانتهاءً باختيار مجال العمل وحتى زوج المستقبل، كما تمارس على سارة السعودية في مقابل السعة المادية، كما يفترض أيضاً أن سارة السعودية ستكون سعيدة بالتضحية بالسعة المادية ودعم الأهل والحياة الميسرة نوعاً ما لتجرب الانطلاق والتجربة الجامعية الحقيقية، أما إن كان هناك أي أدلة تدعم افتراض الكاتب فهذا متروك حقيقة لاجتهاد القارئ الكاتب هنا يختزل تطلعات الشابتين ليحصرها بالرفاه المادي لدى الأميركية أو الحرية لدى السعودية، ولا يتطرق إلى الجوانب الأخرى في حياة كل من الشابتين التي أثارها في مقاله، أشك كثيراً أن تقبل الشابة الأميركية المتطلعة إلى بناء حياة عملية أفضل، وإن كان يعني ذلك اعتمادها على القروض وضيق المعيشة مؤقتاً، وصاية الولي على تنقلاتها وتعليمها وعملها وزواجها، وهي القادمة من مجتمع قضت فيه المرأة دهوراً تحارب لأجل استقلالها، سارة الأميركية تدرك أهمية التعليم للوصول إلى وظيفة أفضل، تصنع فيها فرقاً حقيقياً في مجتمعها، وتشارك برأيها في ما لا يعجبها، سواء في حياتها الخاصة أو العامة بلا أي وصاية أو تعسف، أما سارة السعودية فربما ستواجه صدمة حضارية بعد أن اعتادت حياة التبعية والاعتماد على الغير في تصريف شؤونها واتخاذ قراراتها، والأغلب أن الحياة المستقلة في الغرب ستُبرز إلى السطح كافة نواقص تأهيلها كشخص مستقل قادر على الحجة واتخاذ القرار وتصريف شؤونه على الأقل في البداية، وربما تدرك سارة السعودية بعد عودتها إلى أرض الوطن ضآلة الفرص الوظيفية المتاحة لها، التي لن تمارس فيها صناعة القرار ولن تصل فيها إلى قمة الهرم الوظيفي، بالرغم من تأهيلها إلا في ما ندر.

مقال الكاتب هنا يذكرنا بأزمته السابقة التي أثارها في تعليقه على التدوين كنشاط غير مقنن لدى الشباب السعودي، وانتقد الكاتب وقتها عدم خضوع التدوين لقوانين ووسائل العمل الصحافي الرسمي كما يعتقده، وأثار مقاله سخطاً لدى المدونين الذين اعتبروا التدوين هو المتنفس الوحيد لهم، ربما للحرية الشخصية والتعبير بشفافية عن مشكلاتهم وواقعهم بدون الحاجة للخضوع لبيروقراطية النشر الرسمي، واعتبر المدونون الكاتب وقتها مصادراً لحرية التعبير وليس منافحاً عنها، باعتباره كاتباً وصحافياً في المقام الأول، على أن المثير للاستغراب – شخصياً على الأقل – هي ردود الأفعال على مقال الكاتب، كان من المتوقع بالطبع أن نجد الأغلبية تؤيد الكاتب في ما ذهب إليه، وتؤكد على سلامة واقع المرأة لدينا ومدى تمتعها بالكثير من المزايا، مقارنة بنظيرتها الأميركية، إلا أن شطراً كبيراً من ردود الأفعال – إضافة إلى تلك المتوقعة مسبقاً – انتقد طرح الكاتب ولمس بسرعة بديهة مدهشة مدى اختلاف واقع سارة السعودية عن واقع المئات من مثيلاتها السعوديات، بالضبط كما هو مختلف عن واقع سارة الأميركية، الكاتب وعد قراءه بتكملة مقالته لاحقاً ربما في انتظار ردود فعل القرّاء قبل أن يطرح فكرته كاملة، ولست من مؤيدي تنظير الرجل السعودي لواقع المرأة السعودية للعديد من الأسباب، وأهمها عدم ثقته أو معرفته بالفعل لمدى نضج المرأة الفكري والعقلي وربط ذلك بمحاولات التغريب.

المقارنة المطروحة لم يكن من المفترض بداية أن تكون مقارنة بين فتاتين ولكن بين عموم الشباب السعودي والأميركي، ما الذي يفتقد إليه كل منهما في واقعه المحلي؟ وما الذي يقدمه ذلك الواقع لأي منهما؟ فمع دعم الأهل هنا للشباب تأتي أيضاً وصايتهم على قراراتهم واختياراتهم، وهو أمر لا يمكن للشاب الأميركي «رجلاً أو امرأة» أن يقبله، وهو الذي يمارس الوصاية كاملة مدعماً بحس المسؤولية ليس فقط على أفعاله وقراراته ولكن على قرارات المسؤولين عن مجتمعه مهما علا مركزهم، هناك بالتأكيد فوارق ثقافية ومجتمعية وأخلاقية بين الشابتين السعودية والأميركية، وهناك لدى كل منهما دروس تتعلمها نظيرتها وتجارب تستفيد من نتائجها، وأثق أن السنوات المقبلة ستحمل لنا بالتأكيد الرد على افتراض الكاتب المذكور في مقالته، هل ستُقبِل الشابة السعودية على ما تقدمه الحياة الأميركية أو العكس؟ وما الذي ستستفيد منه؟ ربما كان من المثير للتأمل أن نقارن بين الأثر الذي حمله آلاف الشباب السعودي سابقاً من الانخراط في الحياة الأميركية بعد عودتهم إلى أرض الوطن مع ما ستحمله لنا الأعوام المقبلة من تجارب نسائية.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s